التدريس المصغّر
09-26-2017
التدريس المصغّر
[1]

التدريس المصغر موقف تدريسي , يتدرب فيه المعلمون على مواقف تعليمية حقيقية مصغرة تشبه غرفة الفصل العادي , غير أنها لا تشتمل على العوامل المعقدة التي تدخل عادة في عملية التدريس. ويتدرب المعلم – في الغالب – على مهارة تعليمية واحدة أو مهارتين , بقصد إتقانهما قبل الانتقال إلى مهارة جديدة .

والتدريس المصغر في برامج تعليم اللغات الأجنبية : إجراء أو أسلوب منظم من أساليب تدريب المعلمين على تدريس اللغة الهدف , يمثل صورة مصغرة للدرس , أو جزءاً من أجزائه , أو مهارة من مهاراته , تحت ظروف مضبوطة , ومنظمة ومرتبة , وعادة ما يقدم لعدد محدود من المتعلمين أو الزملاء من المعلمين المتدربين .

يتضح من هذا التعريف أن المعلم المتدرب يمكن أن يصغر دراسة من خلال التركيز على مهارة واحدة من مهارات التدريس , أو خطوة واحدة من خطواته , مع الاحتفاظ بالزمن والأنشطة المطلوبة لهذه المهارات في الحالات العادية . فقد يختار المتدرب, أو يوجه إلى التدرب على التمهيد للدرس , أو شرح قاعدة من قواعده , أو شرح عدد معين من المفردات الجديدة , أو إجراء تدريب قصير , أو تقويم أداء الطلاب , وأسلوب طرح الأسئلة عليهم , والإجابة عن استفساراتهم , وتصويب أخطائهم . يقوم المتدرب بهذه العملية مرة أو مرتين أو أكثر , ويحاول في كل مرة تلافي الأخطاء السابقة أو التقليل منها , حتى يتقن هذه المهارة .

فالمتدرب على مهارة من هذه المهارات أو مهمة من هذه المهمات إذن لا يستغرق كل الوقت المخصص للدرس , وإنما يتطلب جزءاً يسيراً منه , يختلف حسب طبيعة المهارة المراد التدرب عليها . فالتقديم للدرس مثلاً قد لا يستغرق أكثر من خمس دقائق , وإجراء التدريب الواحد قد لا يحتاج إلا إلى ثلاث دقائق , وإثارة انتباه الطلاب أو طرح السؤال أو الإجابة عنه لا تحتاج إلا إلى دقيقة واحدة , أما شرح القاعدة فقد يتطلب مدة تتراوح ما بين خمس إلى عشر دقائق .


بالإضافة إلى ذلك . فإن حجم الفصل يمكن تصغيره إلى أقل من عشرة طلاب , وهؤلاء قد يكونون طلاباً حقيقيين من متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها , وقد يكونون من زملاء المعلم المتدرب, الذين يجلسون في مقاعد الدرس , يستمعون إليه ويتفاعلون معه كما لو كانوا طلاباً حقيقيين من متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها . والحالة الثانية هي المتبعة غالباً في التدريس المصغر في برامج تعلم تعليم اللغات الأجنبية , لأن عدم توفر الطلاب الحقيقيين , أو صعوبة التدرب أمامهم , من أهم أسباب اللجوء إلى التدريس المصغر, بالإضافة إلى الاستفادة من الزملاء المعلمين في التعزيز والنقد والمناقشة .

ولاشك أن التدريس العملي الميداني على تدريس اللغة العربية والمواد الشرعية أثناء الدراسة في فصول حقيقية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها , أفضل وسيلة لتدريب المعلمين على هذه المهنة , والتأكد من تمكنهم من مهاراتها قبل دخولهم الميدان بعيدين عن الإشراف والتوجيه والتعزيز , بيد أن هذا النمط من التدريب قد لا يتوفر في بعض أقسام إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها , لأسباب كثيرة من أهمها : ندرة الفصول الكافية للتدريب , غياب بعض المواد المراد التدرب عليها , من المنهج الذي يتدرب فيه المعلمون , وعدم ملاءمة وقت الدراسة للمعلمين المتدربين . وتلك مشكلة يعاني منها المشرفون على هذه الأقسام وأساتذة التربية العملية فيها مما يعد نقصاً في التأهيل والتدريب. لهذا يلجأ الأساتذة إلى توجيه طلابهم المعلمين إلى وسائل وأنشطة لا تعوض هذا النقص , ولا تقدم بديلاً عملياً عن هذا الجانب المهم .

بالإضافة إلى ذلك , فإن إعداد معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها يتطلب التدرب على عدد من المهارات والمهمات وممارسة بعض الإجراءات والأنشطة , ومناقشة بعض القضايا المهنية المهمة , التي يصعب تنفيذها أثناء التدريب العملي الكامل في فصول حقيقية أمام متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها, كالتسجيل التلفازي , وحضور الأستاذ المشرف, وتبادل الأدوار بين المتدربين ..

إن الوسيلة الممكنة التي يرى الباحث أنها مفيدة لسد النقص في هذا الجانب المهم من إعداد المعلمين , هي التدريس المصغر .

والتدريس المصغّر يعالج مشكلة تتكرر كل عام , بل كل فصل دراسي من فصول إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها , وهي قلة الفرص المتاحة للطلاب المعلمين للتدرب على مهارات تدريس اللغة العربية في فصول حقيقية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها , بالإضافة إلى حاجتهم إلى التدرب على مهارات والقيام بمهمات وأنشطة يصعب ممارستها أمام متعلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها .

وكثيراً ما تقيم الجامعات العربية والمنظمات الإسلامية دورات تدريبية لأعداد كبيرة من معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها في مختلف دول العالم , فلا تجد الوقت الكافي لتدريبهم على المهارات الأساسية من خلال التدريس الكامل , ولا شك أن التدريس المصغر أفضل وسيلة لحل هذه المشكلة .

أنواع التدريس المصغر :

يختلف التدريس المصغر باختلاف البرنامج الذي يطبق من خلاله , والهدف من التدريب , وطبيعة المهارة أو المهمة المراد التدرب عليها , ومستوى المتدربين , ويمكن حصر هذه التقسيمات في الأنواع التالية :

1- التدريس المصغر المبكر : وهو التدريس المصغر الذي يبدأ التدرب عليه أثناء الدراسة , أي قبل تخرج الطالب وممارسته مهنة التدريس في أي مجال من المجالات . وهذا النوع يتطلب من الأستاذ المشرف اهتماماً بجميع مهارات التدريس العامة والخاصة , للتأكد من قدرة الطلاب على التدريس.

2- التدريس المصغر أثناء الخدمة : وهذا النوع يشمل المعلمين الذين يمارسون التدريس ويتلقون – في الوقت نفسه – تدريباً على مهارات خاصة لم يتدربوا عليها من قبل , ومن هذا القبيل تدريب معلمي اللغة العربية الملتحقين في برامج إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها , والذين تخرجوا في أقسام اللغة العربية ومارسوا تدريسها للناطقين بها .

3- التدريس المصغر المستمر : يبدأ هذا النوع من التدريس في مراحل مبكرة من البرنامج , ويستمر مع الطالب حتى تخرجه . وهذا النوع غالباً ما يرتبط بمقررات ومواد تقدم فيها نظريات ومذاهب , ويتطلب فهمها تطبيقاً عملياً وممارسة فعلية للتدريس في قاعة الدرس , تحت إشراف أستاذ المادة .

4- التدريس المصغر الختامي : وهو التدريس الذي يقوم المعلم المتدرب بأدائه في السنة النهائية أو الفصل الأخير من البرنامج , ويكون مركزاً على المقررات الأساسية كمقرر تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها في برامج إعداد معلمي اللغة العربية مثلاً , ومقرر تدريس العلوم الشرعية أو السيرة النبوية للناطقين بغير العربية . وقد يدخل التدريس المصغر الاختباري ضمن هذا النوع .

5- التدريس المصغر الموجه : هذا النوع من التدريس يشمل أنماطاً موجهة من التدريس المصغر , منها التدريس المصغر النموذجي , وهو الذي يقوم فيه المشرف لطلابه المعلمين أنموذجاً للتدريس المصغر, ويطلب منهم أن يحذوا حذوه , وهذا النوع غالباً ما يطبق في برامج إعداد معلمي اللغات الأجنبية الذين لم يمارسوا هذه المهنة بعد . ومنها التدريس المعتمد على طريقة معينة من طرائق تدريس اللغات الأجنبية المعروفة كالطريقة السمعية الشفهية أو الطريقة الاتصالية .

6- التدريس المصغر الحر : هذا النوع من التدريس غالباً ما يقابل بالنوع السابق (الموجه) , ويهدف إلى بناء الكفاية التدريسية , أو التأكد منها لدى المعلم , في إعداد المواد التعليمية وتقديم الدرس وتقويم أداء المتعلمين , من غير ارتباط بنظرية أو مذهب أو طريقة أو أنموذج . وغالباً ما يمارس هذا النوع من التدريس المصغر في البرامج الختامية والاختبارية .

7- التدريس المصغر العام : يهتم هذا النوع بالمهارات الأساسية التي تتطلبها مهنة التدريس بوجه عام, بصرف النظر عن طبيعة التخصص , ومواد التدريس , ومستوى الطلاب , لأن الهدف منه التأكد من قدرة المتدرب على ممارسة المهنة .

وفيما يلي بيان بأهم مزايا التدريس المصغر وفوائده في برامج تعليم اللغات الأجنبية :

1- حل المشكلات التي تواجه القائمين على برامج إعداد معلمي اللغات الأجنبية , بسبب كثرة المعلمين المتدربين أو نقص المشرفين , أو عدم توفر فصول دراسية حقيقية لتعليم اللغة الهدف , أو صعوبة التوفيق بين وقت الدراسة ووقت المتدربين , أو غياب المادة المطلوب التدرب عليها من برنامج تعليم اللغة الهدف .

2- توفير الوقت والجهد , حيث يمكن تدريب المعلمين في التدريس المصغر على عدد كبير من المهارات الضرورية في وقت قصير , وعدم إهدار الوقت والجهد في التدريب على مهارات قد أتقنها المعلمون من قبل , كما أن التدريس المصغر يقلل من الحاجة إلى تدريس كل متدرب جميع المهارات , لأم المشاهدة تفيد المشاهد مثلما تفيد المتدرب .

3- تدريب المعلمين على عدد من مهارات التدريس المهمة , كالدقة في التحضير والتدريس , وتنظيم الوقت واستغلاله , واتباع الخطوات المرسومة في خطة التحضير , واستخدام تقنيات التعليم بطريقة مقننة ومرتبة , بخاصة جهاز الفيديو , بالإضافة إلى استغلال حركات الجسم في التدريس .

4- تدريب المعلمين على إعداد المواد التعليمية وتنظيمها بأنفسهم , لأن التحضير للدرس المصغر غالباً ما يحتاج إلى مادة لغوية جديدة يعدها المتدرب بنفسه , أو يعدل من المادة التي بين يديه, لتناسب المهارة والوقت المخصص لها .

5- مناقشة المتدرب بعد انتهاء التدريس المصغر مباشرة , وتدخل المشرف أثناء أداء المتدرب , وإمكان إعادة التدريس , وبخاصة في حالة تدريس الزملاء المتدربين . وتلك الأمور يصعب تطبيقها في التدريس الكامل , وبخاصة في الفصول الحقيقية .


6- أن التدريس المصغر يعتمد على تحليل مهارات التدريس إلى مهارات جزئية مما يساعد على مراعاة الفروق الفردية بين المعلمين , من خلال تدريبهم على عدد كبير من هذه المهارات التي قد تغفلها برامج التدريب على التدريس الكامل .

7- أنه فرصة لمعرفة المتدرب جوانب النقص والتفوق لديه في النواحي العلمية والعملية والفنية , من خلال ما يتلقاه من التغذية والتعزيز من المشرف والزملاء في مرحلة النقد , مما يتيح له تعديل سلوكه وتطويره قبل دخوله ميدان التدريس حيث لا نقد ولا تغذية ولا تعزيز , كما أنه يساعد على التقويم الذاتي من خلال مشاهدة المتدرب نفسه على شاشات الفيديو .

8- أن التدريس المصغر للزملاء المتدربين , وتبادل الأدوار بينهم , يتيح لكل واحد منهم فرصة التعرف على مشكلات تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها عن قرب , وهي مشكلات المعلم والمتعلم , وذلك من خلال الجلوس على مقاعد الدراسة, وتقمص شخصية المتعلم الأجنبي , والاستماع لمعلم اللغة الأجنبية, والتفاعل معه , ثم القيام بدور المعلم وهكذا .

9- التدريس المصغر مهم لاختبار قدرات المعلمين المتقدمين للعمل في مجال تعليم اللغة لغير الناطقين بها , حيث يستطيع المختبر اختيار المهارة أو المهارات التي يريد اختبار المعلم فيها دون غيرها , مما يوفر له مزيداً من الوقت والجهد , كما أن التدريس المصغر مهم لتقويم أداء المعلمين أثناء الخدمة , واتخاذ القرار المناسب بشأن استمرارهم في العمل أو حاجتهم إلى مزيد من التدريب والتطوير .

10- التدريس المصغر وسيلة مهمة من وسائل جمع المادة العلمية في الدراسات اللغوية التطبيقية , في مدة أقصر من المدة التي يستغرقها جمع المادة في التدريس الكامل . فمن خلال التدريس المصغر يستطيع الباحث رصد أثر تدريس مهارة واحدة أو عدد من المهارات على كفاية المتعلم , كما يستطيع رصد أثر التغذية الراجعة والتعزيز بأنواعه على بناء كفاية المعلم في التدريس , مع القدرة على ضبط المتغيرات الأخرى.

الربط بين النظرية والتطبيق , حيث يمكن تطبيق أي نظرية أو مذهب أو طريقة, تطبيقاً عملياً في حجرة الدرس , أثناء الشرح أو بعده لمدة قصيرة , إذا دعت الضرورة إلى ذلك .

ما ينبغي مراعاته قبل البدء في التدريب العملي
- إجادة مواد التخصص إجادة تامة .

- التعرف على أهداف التربية ... وأهداف المراحل التعليمية .

- التعرف على المنهج والكتب التعليمية المقررة في مواد التخصص لجميع المراحل .

- التعرف على طرق التدريس العامة وطرق التدريس الخاصة بمواد التخصص .

- حضور حصص المشاهدة التي ينظمها القسم / الكلية .

- اكتساب المهارات الضرورية التي تساعد على الاستعمال الأمثل للوسائل .

- الإلمام بطرق ووسائل تقويم الطلاب . (دليل التدريب على التدريس بتصرّف )



--------------------------------------------------------------------------------

[1] د. عبد العزيز بن إبراهيم العصيلي : بتصرّف .