التقابل اللغوي وتحليل الأخطاء
09-26-2017
التقابل اللغوي وتحليل الأخطاء

التحليل التقابلي :

ظهر دور التحليل التقابلي بصـورة علمية في الأربعينات من القرن الميلادي الماضي, وكان من رواد هذا الأسلوب في اختيار المادة اللغوية لإعداد الكتب التعليمية الأستاذ فريز ولادو في عام 1945: "أفضل المواد هي تلك المبنية على وصف علمي للغة المدروسة مقارنة بوصف مماثل للغة الدارسة الأصلية ". وفي عام 1957م ظهر أول كتاب بالإنجليزية وضعه اللغوي المعروف الدكتور روبرت لادو ليرشد الباحثين إلى إجراء الدراسات التقابلية , وقد ذكر أن من أهم فوائد التحليل التقابلي الانتفاع به في مجال إعداد المواد التعليمية فيقول في ذلك :" وأهم شيء في إعداد المواد التعليمية هو مقارنة اللغة والثقافة الأصليتين ( للدارس ) باللغة والثقافة الأجنبيتين , وذلك من أجل التعرف على العقبات التي لابد من تذليلها في أثناء التدريس " . وقد أدت الدعوة إلى ضرورة التحليل التقابلي لإعداد المواد التعليمية وتدريس اللغات الأجنبية إلى عدد لا يستهان به من الدراسات التقابلية بين اللغات المختلفة, ولكننا نجد أن فوائد التحليل التقابلي تظهر بوضوح في مجال الأصوات حيث يظهر الأثر القوي للعادة , بينما يقل في عناصر اللغة الأخرى حيث يلعب الإدراك والتفكير دوراً أكبر في تعليمها.[1]

يقوم علم اللغة التقابلي بالمقارنة بين لغتين أو أكثر من عائلة لغوية واحدة أو عائلات لغوية مختلفة بـهدف تيسير المشكلات العملية التي تنشأ عند التقاء هذه اللغات كالترجمة وتعليم اللغات الأجنبية . ويفضل علم اللغة التطبيقي مصطلح التحليل التقابلي ، بدلا من علم اللغة التقابلي؛ إذ المقصود هنا تحليل لغوي يجري على اللغة التي هي موضع التعليم واللغة الأولى للمتعلم.

وتنبع فكرة التحليل التقابلي من مقولة : أن أيّ متعلم للغة أجنبية لا يبدأ – في الحقيقة- من فراغ, وإنما يبدأ تعلم هذه اللغة الأجنبية وهو يعرف شيئاً ما من هذه اللغة؛ هذا الشيء هو ما يشبه شيئاً ما في لغته؛ لذلك يجد هذا المتعلم بعض الظواهر سهلا وبعضها الآخر صعبا؛ فمن أين تأتي السهولة والصعوبة وهو في المرحلة الأولى من تعلم اللغة؟

صحيح أن المتعلم الناجح يفترض ابتداء أن اللغة الأجنبية التي يتعلمها تختلف عن لغته, وأن عليه أن يبذل جهده لتعلم ذلك, لكنه – وهو يتعلم - يكتشف أن ثمة ظواهر تشبه أشياء في لغته.

وقد ظهر التحليل التقابلي حتى لا يترك لكل متعلم هذه المهمة؛ لأنه قد لا ينجح في اكتشافه، كما أنّه قد يتوهم تشابـها غير حقيقي, كما هو الحال فيما يعرف "بالنظائر المخادعة". والتحليل التقابلي إذن يختص بالبحث في أوجه التشابه والاختلاف بين اللغة الأولى للمتعلم واللغة الأجنبية التي يتعلمها. والتشابه بين لغتين لا يعني سهولة التعلم, كما أن الاختلاف لا يعني صعوبة التعلم؛ ذلك أنّ الاختلاف والتشابه مسألة لغوية, أما السهولة والصعوبة فمسألة نفسية لغوية.

من الحقائق المقررة أنّ أوجها مشتركة تجمع اللغات جميعها, وهي التي يسعى العلماء الآن إلى بحثها فيما يعرف "بالكليات اللغوية". على أنه من الحقائق المقررة أيضا أن اللغات تختلف فيما بينها من حيث البنية على المستويات اللغوية جميعا؛ إذ الاختلاف موجود في الأصوات، وفي الكلمة، وفي الجملة، وفي المعجم.

والتحليل التقابلي لا يقارن لغة بلغة, وإنما يقارن مستوى بمستوى, أو نظاما بنظام. أو فصيلة بفصيلة, ويجري التقابل على كل ما ذكرنا آنفا؛ فالتقابل الصوتي مهم جدا في تعليم اللغة, وكذلك التقابل الصرفي , والنحوي, والمعجمي.

ويهدف التحليل التقابلي إلى ثلاثة أهداف:

1- فحص أوجه الاختلاف والتشابه بين اللغات.

2- التنبؤ بالمشكلات التي تنشأ عند تعليم لغة أجنبية ومحاولة تفسير هذه المشكلات.

3- الإسهام في تطوير مواد دراسية لتعليم اللغة الأجنبية.

أما الهدف الأول فهو ما عرضنا له آنفا, وأما الهدف الثاني فينهض على افتراض علمي بأن مشكلات تعلم لغة أجنبية تتوافق مع حجم الاختلاف بين اللغة الأولى للمتعلم واللغة الأجنبية؛ إذ كلما كان الاختلاف كبيرا كانت المشكلات كثيرة. وحين نضع أيدينا على طبيعة هذا الاختلاف يمكننا أن نتنبأ بالمشكلات التي ستنجم عند التطبيق العملي في عملية التعليم, ويمكننا أيضا أن نفسر طبيعة هذه المشكلات. فالتقابل بين العربية والإنجليزية مثلا يشير إلى وجود اختلافات بنائية كثيرة على المستويات اللغوية جميعها؛ فأصوات العين والحاء والخاء والغين مثلا ليس لها مقابل في الإنجليزية, وبعض الصيغ الفعلية في العربية مثل صيغة (فاعَلَ) ليس لها نظير فيها كذلك, والنعت يسبق المنعوت في الإنجليزية ويتأخر عنه في العربية, واسم الموصول يمكن أن يأتي بعد اسم نكرة في الإنجليزية, ولا يجوز ذلك العربية, وكلمة العم والخال لها مقابل إنجليزي واحد, وبعض ألفاظ القرابة ليس لها مقابل على الإطلاق. من هنا نتوقع أن يواجه متعلم لغته الأولى الإنجليزية مشكلات عند تعلمه العربية في بعض الظواهر؛ إذ من المتوقع جدا أن نجد جملة من مثل: رأيت طالبا الذي نجح.

وأما الهدف الثالث فهو ثمرة طبيعية للهدفين السابقين ؛ فإذا توصلنا إلى وصف تقابلي لأنظمة اللغتين , وحددنا ما نتوقعه من مشكلات في ضوء هذا الوصف , أمكننا أن نطوّر مواد دراسية تواجه هذه المشكلات ابتداءً . وقد كان فريز يؤكد منذ أول الأمر أن أفضل المواد فاعلية في تعليم اللغة الأجنبية هي تلك المواد التي تستند إلى وصف علمي لهذه اللغة , وعلى وصف علمي مواز للغة الأم .

ورغم ما يبديه بعض الباحثين من تحفظ على هذا المبدأ فإنّ التحليل التقابلي أثبت نفعاً حقيقياً في تطوير المواد الدراسية في تعليم اللغة الأجنبية , وقد نزعم هنا أن التحليل التقابلي نافع أيضاً في تعليم اللغة لأبنائها ؛ إذ ثبت لنا بالتجربة العملية أن كثيراً من الظواهر اللغوية في العربية تكون أكثر وضوحاً حين تعرض على الدرس التقابلي , ومن هنا يصبح إدراكنا لطبيعة الظاهرة إدراكا أكثر علمية من فهمنا لبعض الجوانب المشتركة في قدرة التعليم حين تتلقى هذه الظاهرة , ويثمر ذلك _ بلا شك _ رؤية أفضل نحو تطوير المواد الدراسية لتعليم اللغة الأولى . [2]



تحليل الأخطاء :

منذ النصف الثاني من الستينات بدأت تظهر الدراسات المعارضة أو المتحفظة حول قيمة التحليل التقابلي في مجال تدريس اللغات وإعداد المواد التعليمية لها , فنجد بعضاً ممن لا يرون كبير فائدة ترجى من التحليل التقابلي ومنهم من يرى أن التحليل التقابلي مفيد ولكن لا بد لنا من استكمال نتائجه والتحقق منها عن طريق تحليل الأخطاء .

هذا ويرى عادة دعاة تحليل الأخطاء أن كثيراً من الصعوبات التي يتنبأ بها التحليل التقابلي لا تثبت صعوبتها أثناء التعليم الفعلي للغة من جهة , بينما نجد من جهة أخرى أن هناك عدداً من الأخطاء التي لا تنتج عن تأثير اللغة الأولى للدارسين ( من ثم لا يمكن للتحليل التقابلي أن يتنبأ بوقوعها ). ويصدق هذا الأخير على الأخطاء التي تنتج من طبيعة اللغة المدروسة ( الهدف ) نفسها كما نجد مثلاً في حالات الشذوذ عن القواعد العامة ( مثل جمع الأسماء الشاذة في الإنجليزية ) , وكما نجد في حالات غياب القواعد أو كثرتها ( مثل جمع التكسير في اللغة العربية ) , واستعمال حروف الجر في الإنجليزية. فهذه الحالات تمثل مشكلة للدارسين بغض النظر عن خلفياتهم اللغوية وهذا مما حدا بعدد من اللغويين التطبيقيين إلى الإشارة إلى ضرورة التمييز بين عامل الاختلاف من جهة وعامل الصعوبة من جهة أخرى. [3]

وتحليل الأخطاء مصطلح آخر يستخدمه علم اللغة التطبيقي في تعليم اللغة , وهو الخطوة التالية للتحليل التقابلي , ولعله ثمرة من ثمراته , لكنه يختلف عنه وعن المقارنة الداخلية في أنهما يدرسان اللغة, أما هو فيدرس لغة المتعلم نفسه , لا نقصد لغته الأولى وإنما نقصد لغته التي ينتجها وهو يتعلم والذي لاشك فيه أننا جميعاً نخطئ , ونخطئ عند تعلمنا للغة وعند استعمالنا لها , ومن ثمّ فإنّ درس الخطأ أمر مشروع في حد ذاته . يجري تحليل الخطأ عادة على مراحل:

1- تحديد الأخطاء ووصفها.

2- تفسيرها.

3- تصويبها وعلاجها.

أولا : تحديد الأخطاء ووصفها:

إنّ درس الأخطاء من حيث التحديد والوصف يتبع قواعد منهجية يحسن أن نعرضها على النحو الأتي:

1- إنّ الأخطاء يقع فيها أفراد, ونحن لا ندرس –مع ذلك- أخطاء الفرد؛ لأننا حين نضع مقررات تعليمية إنما نضعها لجماعات, والمفروض أن تكون هذه الجماعات متجانسة في معايير العمر , والمستوى , والمعرفة اللغوية , واللغة الأولى أحيانا, ومن َثمّ فإنّنا ندرس الأخطاء التي تصدر عن جماعات متجانسة أيضا؛ أي الأخطاء التي لها صفة الشيوع في هذه الجماعات.

2- إنّ السمة الأولى للغة أنّها نظام, ونحن حين ندرس لغة المتعلمين إنّما ندرس نظاما أيضا؛ أي أنّ الوصف اللغوي للأخطاء لابد أن يكون منصبّا على طبيعتها النظامية ؛ فالأخطاء التي تتصف بذلك هي التي تكون مجالا للدرس. وقد أثبتت التجربة أنّ المتعلم قد ينتج جملا مقبولة وملائمة بالصدفة, والصدفة لا تمثل نظاما, ومعنى ذلك أنّ الخطأ والصواب ليس في الشيء ذاته , وإنما دليل على وجود نظام صحيح أو نظام خاطئ .

3- يكاد يكون هناك اتفاق على أن الأخطاء نوعان؛ أخطاء قدرة , وأخطاء أداء, ووصف أخطاء القدرة مهمّ جداً خاصة في تعليم اللغة الأولى , ولكنّ معظم الجهد يتوجه إلى أخطاء الأداء, والأداء – كما ذكرنا- ضربان؛ أداء إنتاجي , وآخر استقبالي . والحق أن الأداء الاستقبالي له أخطاؤه , لكنها أخطاء يصعب تحديدها والإمساك بها للأسف الشديد؛ لأنّ المتعلم للغة الأجنبية قد يتلقى كلاما ما فتكون استجابته إيماء أو حركة معينة, وقد يأوي إلى الصمت , وليس من السهل أن نعرف أكان استقباله صحيحا أم خاطئا إلا إذا أنتج كلاما؛ وحين نتمكّن من معرفة طبيعة أخطاء الأداء الاستقبالي فإن ذلك سيفيد إفادة حقة في الكشف عن طبيعة قدرة التلقي اللغوي عند الإنسان . لذلك كله يتركز تحليل الأخطاء على الأداء الإنتاجي أو الأداء التعبيري كما يسميه بعضهم.

وحيث إنّ اللغة اتصال فإنّ أخطاء الأداء الإنتاجي يجب أن تستخلص من مواد في إطار اتصالي , ويجب أن نتنبّه إلى أنّ السلوك اللغوي داخل قاعة الدرس ليس كلّه سلوكا اتصاليا؛ ومن ثمّ لا يصلح أن يكون مادة لدرس الأخطاء, وذلك كالتدريبات التي تتصف في كثير من الأحيان بالآلية , وإذن لابد من مادة لغوية ينتجها المتعلم تلقائيا كالتعبير الحر, وكتابة المقال, والقصص, والحوار الشفوي الحر, وإن كان ذلك لا يعني استبعاد تصميم نماذج لاستخلاص الأخطاء.

4- يجري وصف الأخطاء على كل مستويات الأداء ؛ في الكتابة , والأصوات , والصرف , والنحو , والدلالة. وبدهيّ أنّ وصف الخطأ يتمّ في إطار نظام اللغة , بمعنى أنّ خطأ ما إنّما يدل على خلل ما في قاعدة من قواعد النظام, فالأخطاء الكتابية مثلا ليست مجرد خطأ في حرف من حروف الهجاء , لكنها قد تكون دليلا قويا على فقدان قاعدة في نظام اللغة .

حين يخطئ متعلم فيكتب كلمت "كتابة" مصدر كتب بهاء "كتابه"، إنما يخطئ في قاعدة من قواعد النظام اللغوي لأنه لا يفرق بين التاء المربوطة الدالة على التأنيث , والهاء التي هي ضمير. والمتعلم الأجنبي الذي يقول : اشتريت ثلاثة كتاب , بدل أن يقول : ثلاثة كتب , إنما يخطئ في قاعدة من قواعد النظام اللغوي التي تفرق بين ما يستخدم معدوداً وما يستخدم غير معدود .

5- لقد جرت دراسات كثيرة في تحليل الأخطاء , وانتهت إلى أنّ الأخطاء تكاد تنحصر في أنواع ؛ حذف عنصر , أو زيادة عنصر , أو اختيار عنصر غير صحيح , أو ترتيب العناصر ترتيباًُ غير صحيح . لذلك فإنّ وصف الأخطاء تتّجه في الأغلب إلى هذا التصنيف.

ثانياً : تفسير الأخطاء :

وتفسير الأخطاء يأتي _ منطقياً _ بعد تحديدها ووصفها , والوصول إلى تفسير صحيح يعين بلا شك على الإفادة من هذا التحليل . وليست هناك كلمة جامعة على معايير التفسير ؛ إذ كلّها موضع نقاش وجدل ؛ لأنّ البرهنة على صوابـها ليست أمراً سهلاً .

ولعلنا نبدأ أولاً بما هو قريب المنال , وهو المعيار الذي يفسّر الخطأ في ضوء التعليم ؛ فالمتعلم يتلقى ما يتعلمه من اللغة من عينات معينة مختارة من هذه اللغة وقد تنجم هذه الأخطاء بسبب طبيعة هذه العينات , وتصنيفها , وطريقة تقديمها . ( ولعل هذا من الأسباب الملحوظة في أخطاء تعليم العربية لأبنائها ) . ثم إن تعليم اللغة لا يحدث دفعة واحدة , وإنما يجري على فترات زمنية , وهذا أمر لا مناص منه , فتنشأ الأخطاء نتيجة المعرفة الجزئية باللغة , واللغة كما نعرف نظام داخلي مستقل مكتف بذاته , أي أنّ أجزاءه كلّها مرتبطة ارتباطاً داخلياً , أو أنـها نظام من الأنظمة , ومعنى ذلك أنّ أي شئ لا يمكن أن نتعلّمه كاملاً . هذا هو المعيار الذي قد لا نختلف عليه , والذي يمكن معالجة أسبابه بوسائل مختلفة .


أما المعيار الثاني فهو القدرة المعرفية عند المتعلم ؛ إذ إنّ كلاً منّا يتبع استراتيجية معينة في التعلم؛ في هذه الاستراتيجية ما هو كلي مشترك بين البشر , ومنها ما هو خاص بكل متعلم . أما الكلي فقد دارت عليه دراسات نافعة لكنها لا تزال جزئية , وأما الخاص فليس من السهل الوصول إليه , هذا إلى أنّ ما يجري في أعماق المتعلم من عمليات لا يزال العلم يطمح إلى الكشف عنه يوماً ما .

وأما المعيار الثالث فهو موضع نقاش واسع , وهو الذي يتمسك به الباحثون _ في الوقت نفسه _ لأنه يجعل دائرة التحليل أكثر تناسقاً فضلاً عن أنة يمدّنا ببعض النتائج الملموسة . هذا المعيار هو الذي يعرف بالتدخل , وتدور فكرته على المبدأ الآتي : إنّنا نتعلم مهارة جديدة على أساس مهارة موجودة تعلمناها قبلاً .

ومعنى ذلك أنه لابد أن يحدث تدخل ما بين المهارتين عند التعلم , وهذا التدخل يكون نتيجة النقل , والنقل قد يكون أمامياً بأن تؤثر المهارة الموجودة على المهارة الجديدة , وقد يكون العكس , وهو ما يسمى ارتجاعيا وكل منهما قد يكون إيجابياً أو سلبياً . أما الإيجابي فهو تيسير تعلم مهارة جديدة بسبب التشابـهات بين المهارتين , وأما السلبي فهو إعاقة تعلم مهارة جديدة بسبب الاختلاف بين المهارتين .

وإذا طبقنا هذا المبدأ العام عن المهارات على تعلم اللغة قلنا إنّ كلّ متعلم يميل ميلاً طبيعياً إلى أن ينقل بنية لغته الأولى إلى اللغة الأجنبية التي يتعلمها , ومن هنا تنشأ المقولة النظرية الآتية:

" إننا نستطيع أن نتنبأ بمشكلات تعلم اللغة الأجنبية على أساس أوجه الاختلاف بينها وبين اللغة الأم . ونستطيع أن نفسّر هذه المشكلات على أساس أوجه الاختلاف بينها وبين اللغة الأم . ونستطيع أن نفسر هذه المشكلات على أساس أوجه الاختلاف هذه ". ومن الواضح أن هذه المقولة تستند إلى الافتراض الآتي :

" إن فرصة حدوث مشكلات في تعلم اللغة الأجنبية تزيد نسبياً مع الاختلاف اللغوي بينها وبين اللغة الأم , وتقل هذه الفرصة بقلة هذا الاختلاف أو غيابه ". وحدوث المشكلات هو ما يعرف بالتدخل , وعدم حدوثها يعرف بالتيسير .

على أنّ مبدأ التدخل نتيجة الاختلاف والتشابه بين اللغتين يتعرض لكثير من النقد ؛ ذلك أنّ التحليل التقابلي _ وهو الذي يتكفل بالوصول إلى الاختلاف والتشابه _ يتنبأ بمشكلات لا تحدث على الإطلاق , ثم إنّ هناك مشكلات تحدث فعلاًُ ولا يتنبأ بـها أصلاً.

ثم إنّ الاختلافات بين اللغتين لا تؤدي آلياً إلى مشكلات في تعلم اللغة الأجنبية , بل إنـها قد تقلل هذه المشكلات , وقد لوحظ أنّ التدخل بين اللغات المتقاربة أقوى منه بين اللغات غير المتقاربة, وهناك أمثلة كثيرة لهذا التدخل على مستويات الصوت والكلمة والجملة والمعجم، تم رصدها بين اللغات الأوروبية المتقاربة كالإنجليزية والألمانية مثلاً , ومنها الأمثلة الخاصة بالنظائر المخادعة التي أشرنا إليها آنفاً , وهي لا توجد عادة بين اللغات المتباعدة , وكثير من هذه المشكلات لا ترصد مثلاً بين متعلمي الإنجليزية من أبناء العربية .

ومع ذلك فإنّ مبدأ التدخل لا يزال معياراً صالحاً لتفسير كثير من الأخطاء إلى أن يكون في أيدينا معرفة واضحة عن عمليات التعلم الداخلية التي يجريها المتعلمون عند تلقيهم اللغة .

ثالثاً : تصويب الأخطاء :

من الواضح أنّ كل شيء في علم اللغة التطبيقي يدرس للإسهام في حلّ مشكلة عملية , وعلى ذلك فإنّ الأخطاء لا تدرس لذاتـها , صحيح أنـها تفيد إفادة محققة في الكشف عن طبيعة التعلم , لكن ما يهمنا هنا هو كيف نواجه الأخطاء, وكيف نتلافاها؟

ومن الواضح أيضا أن تصويب الأخطاء لا يتم إلا بعد معرفة أسبابـها , وليس من اليسير الوصول إلى هذه الأسباب بدرجة تقرب من اليقين ؛ لأنها قد ترجع إلى الاستراتيجية الداخلية التي يتبعها المتعلم , وقد ترجع إلى تدخل اللغة الأم . وتصويب الأخطاء لا يتم بإعادة تقديم المادة مرة أخرى , كما هو حادث مثلا فيما يعرف بدروس التقوية في المدارس العربية, وإنما يكون بمعرفة مصدر الخطأ , ثم تقديم المادة الملائمة.

ومهما يكن من أمر فإن تحليل الأخطاء له فوائد نظرية وأخرى عملية؛ فعلى الجانب النظري يختبر تحليل الأخطاء نظرية علم اللغة النفسي في تأثير النقل من اللغة الأم , فتثبت صحتها أو خطأها, وهو يعد عنصرا مهما في دراسة تعلم اللغة , ثم إنّ تحليل الأخطاء يقدم إسهاماً طيباً عن الخصائص الكلية المشتركة في تعليم اللغة الأجنبية , وهو يكشف عن كثير من الكليات اللغوية .

وعلى الجانب العملي يعد تحليل الأخطاء عملاً مهماً جداً للمدرس , وهو عمل متواصل , يساعده على تغيير طريقته أو تطوير المادة , أو تعديل المحيط الذي يدرس فيه . ولكنّ أهميته الكبرى تكمن على المستوى الأعلى في التخطيط في المقررات الدراسية , والمقررات العلاجية , وإعادة التعليم, وتدريب المعلمين أثناء العمل .[4]



--------------------------------------------------------------------------------

[1] " إعداد المواد التعليمية لتدريس اللغات الأجنبية ، بعض الأسس العامة " لمحمود صيني . ( بتصرّف )


[2] انظر : علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية لعبده الراجحي . ( بتصرّف )

[3] " إعداد المواد التعليمية لتدريس اللغات الأجنبية ، بعض الأسس العامة " لمحمود صيني . ( بتصرّف )

[4] انظر : علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية لعبده الراجحي . ( بتصرّف )