هل نحن وحيدون في الكون ؟
05-13-2015

هل يوجد أنماط أخرى من الحياة في الكون وخارج كوكبنا الأزرق الجميل؟
فلسفياً، يُمكن تناول الأسئلة السابقة وطرحها كنقاشاتٍ مُطوّلة نتناول فيها العديد من الأفكار والمفاهيم، مثل تميّز وتفرّد الجنس البشري، أو تميّز وتفرّد كوكب الأرض، وربما يمتد الموضوع ليَشمل أيضاً المُعتقدات الدينية. ولكن دعونا نترك كل ذلك جانباً، لأننا نتكلم الآن "علمياً"، وهذا يعني أن الإجابة على أيّ سؤالٍ من هذا النّمط يجب أن تكون مدعومة بدليلٍ مَلموس، يثبت أو ينفي الفرضية التي نبحث عن إجابةٍ لها.

بالتأكيد، فإن إثبات وجود أي نمط أو شكل من أشكال الحياة في الفضاء سيفتح الباب أمام كل الاحتمالات. فكلمة "الحياة" تُشير إلى أي شكل من أشكال التفاعلات الحيوية، بدءاً من أبسطها، أي الكائنات الخلوية البدائية والأولية، وصولاً إلى أعقدها، أي أنماط الحياة المعقدة والذكية، كالبشر.

وبالاستناد للمرجعية العلمية الدقيقة، فإنه يمكننا القول الآن أنه لا يوجد أي دليل دامغ يُثبت وجود حياة في الكون خارج كوكب الأرض. طبعاً، القول أنه لا يوجد دليل لا ينفي الفرضية برمتها، فالأدوات الحالية التي نستخدمها، وقصر الفترة الزمنية التي بحث فيها البشر عن الحياة في الكون، ومجال الرؤية الضيق الذي نتمتع به حالياً مقياساً بالكون الهائل، يجعل التوصل لأي استنتاج مجرد تجاوزات عبثية غير دقيقة. على الرغم من ذلك، فإن إثبات وجود شكل بسيط وبدائي للحياة، حتى لو كان خلايا بسيطة أو ميكروبات، فإنه يعني أن احتمالية وجود كائنات معقدة وأكثر تطوراً ستصبح احتمالية متزايدة، وفضلاً عن ذلك، فإن الكشف عن كيفية نشوء أنماط الحياة في الفضاء وتطورها، قد يساهم بتزويد معارف إضافية لكيفية نشوء الحياة على كوكب الأرض نفسه.
بكل الأحوال، وبالنسبة لوكالة ناسا، فإن الأمور بدأت تأخذ شكلاً أكثر دقة فيما يتعلق بالتّنبؤات الخاصة بوجود الحياة في الفضاء، وفيما لو سألنا أحد العلماء العاملين بالوكالة الشهيرة حول احتمالية وجود حياة في الفضاء، فإن جوابه سيكون قطعاً "نعم".
فبحسب ايلين ستوفان Ellen Stefan، كبيرة علماء ناسا :" أنا أؤمن أننا سنتمكن من الحصول على أدلةٍ دامغة فيما يتعلق بوجود الحياة الذكية في الفضاء خلال العقد المُقبل، وسنحصل أيضاً على أدلةٍ أكيدة خلال 10 إلى 20 سنة من الآن. نحن نعلم أين يجب أن نبحث، ونحن نعلم كيف يجب أن نبحث، وفي مُعظم الحالات، فإننا نتملك حالياً التّقنيات اللازمة للوصول إلى الإجابات الحاسمة".
قبل أن تبدؤوا بالتّفكير بخطر تعرّضنا للغزو من قبل بعض الكائنات ذات اللون الأخضر، يجب أن نعرف ما الذي تقصده كبيرة علماء ناسا بالحياة :" نحن لا نتحدث عن رجال خضر اللون قصيري القامة، بل نتحدث عن الميكروبات والكائنات الدقيقة".
وخلال المُؤتمر الصحفي الذي شهد هذه التصريحات المثيرة، قام علماء وكالة ناسا بعرض العديد من الاكتشافات الهامة التي تشير إلى أننا أصبحنا أقرب من أي وقتٍ مضى لمعرفة أين يُمكن أن تتواجد الحياة في الفضاء، سواء كانت في نظامنا الشمسي أم خارجه.
على سبيل المثال، قام جيم غرين وهو رئيس قسم العلوم الكوكبية Planetary Science في وكالة ناسا، قام بعرض دراسةٍ تحليلية للغلاف الجوي فوق الأقطاب الجليدية الموجودة في كوكب المريخ، وقد أظهرت هذه الدراسة أن ما نسبته 50% من النصف الشمالي لكوكب المريخ قد امتلك سابقاً محيطات ذات عمق يبلغ حوالي ميل واحد، وأن هذه المحيطات قد احتوت على المياه لفترةٍ طويلة من الزمن، تم تقديرها بحوالي 1.2 مليار سنة. وتقول ستوفان بهذا الخصوص :" نحن نعتقد أن مدةٍ زمنية طويلة مثل هذه ضرورية جداً من أجل نمو أنماط الحياة المعقدة".
تم عرض دراسة أخرى لقمر غانيميد Ganymède التابع لكوكب المشتري، حيث أثبتت هذه الدراسة أن قمر غانيميد قد احتوى على محيطاتٍ سائلة كبيرة، تحت قشرته الجليدية السميكة.
كنتيجة، فإن مجمل الدراسات والأبحاث التي تم إجراؤها بينت أن معظم الأفكار السابقة فيما يتعلق بالمناطق الصالحة للسكن Habitable Zones كانت أفكاراً محدودة وخاطئة نوعاً ما. فالمنطقة الصالحة للسكن في الفضاء، هي المنطقة التي يجب ألا تكون ساخنة جداً أو باردة جداً، بحيث تسمح بنشوء المسطحات السائلة فيها، وتسمح بالتالي بنشوء أنماط الحياة، وذلك على اعتبار أن المكون الأساسي لنشوء ونمو أشكال الحياة، بدءاً من الصغيرة منها وصولاً للمعقدة، هو وجود الأوساط السائلة.
يقول جيم غرين بهذا الخصوص:" نحن الآن نستطيع التمييز وبوضوح أن المناطق الصالحة للسكن هي ليست المناطق القريبة من النجوم أو المحيطة فيها. نحن نكتشف الآن أن نظامنا الشمسي هو منطقة رطبة وغنية بالمياه أكثر مما كنا نعتقد".
وضمن المؤتمر الصحفي أيضاً، تحدث بول هرتز Paul Hertz رئيس قسم الفيزياء الفلكية Astrophysiques في وكالة ناسا، عن الدور الذي ستلعبه التلسكوبات المستقبلية في الكشف أيضاً عن أنماط الحياة والمناطق القابلة للسكن، ليس فقط في نظامنا الشمسي، بل أيضاً بكواكب أخرى تدور حول نجومٍ أخرى، في أنظمةٍ شمسية مختلفة عن نظامنا الشمسي.
إذاً، واعتماداً على التلسكوبات الحديثة المنتظر انطلاقها - مثل تلسكوب جيمس ويب الذي سيطلق عام 2018 - واعتماداً على المهمات والتلسكوبات الحالية المستخدمة، وعلى الكميات الكبيرة من المعلومات والبيانات التي تم جمعها وتحليلها، فإن المهمة حالياً أصبحت بالتركيز أكثر على ما تم اكتشافه مسبقاً، وعلى ما تم التوصل إليه، من أجل إثبات وجود أنماط الحياة في الفضاء. حسم الإجابة على هذا السؤال لن تعني إغلاق القضية، بل على العكس، فإن هذا يعني أن القضية قد تم فتحها للتو، وأن مجالاً جديداً من البحث العلمي والاكتشاف قد بدأ لتوه.