هل كانت درب التبانة كوازار ؟
04-08-2015

من المعروف علميا أن سرعة دوران النجوم الطرفية فى المجرات الحلزونية (أى تلك النجوم على حافة المجرة) أعلى بشكل ملحوظ مما يمكن حسابه إستنادا على قوة الجذب الناشئة عن مركز المجرة. لكن العلماء فسروا هذه الظاهرة بوجود قوة جذب أخرى من خارج المجرة..تدفع هذه النجوم للخارج وبالتالى تعمل على تسارعها عن المعتاد. منشأ هذه القوة وسببها هو وجود ما أطلق عليها العلماء المادة المظلمة...وبعمل نماذج محاكاة كمبيوترية لكيف ستكون حركة النجوم الطرفية حال وجود المادة المظلمة...تطابقت نتائج المحاكاة مع واقع الرصد.


ولكننا سنتناول المسألة هنا من زاوية مختلفة تماما...نحن سنعود بالزمن للوراء وللنظر كيف يمكن أن يكون لتكون المجرة ونشأتها دور فى هذه العملية.

فى عام 2002 قام فريق من علماء الكونيات بدراسة موسعة للكون للبحث عن الثقوب السوداء العملاقة. وكانت النسبية العامة تنبأت بوجود كيانات كتلك تقدر كتلة الواحد منها ببليون ثقب أسود عادى. هذه الثقوب ذات طبيعة مشوهة لهيئة الزمكان ولها كتلة وجاذبية خارقة تعصر الفضاء ومادته من حولها...بالطبع كانت الكوازارات هى المرشح الأكبر لوجود ثقوب كتلك . والكوازر هو كيان فلكى فى قلبه مادة منهارة تنجذب بشدة لقوة جاذبة هائلة تسحق المادة حتى أنها ترسل حزم مستمرة من أشعة الراديو وأشعة جاما وأشعة إكس. هى كيانات نشطة جدا..بل هى أقوى وأشد الكيانات عنفا فى الكون.

والحقيقة أن الكوازارات تنتمى لمجموعة من المجرات يطلق عليها AGN أو Active Galactic Nuclei أى المجرات النشطة ( وتنقسم ل3 أنواع الكوازارات وهى أنشطها والبلازارات ومجرات سيفرت Seyfert galaxies....ربما نتطرق للفرق بينها لاحقا)

طريقة عمل الفريق:
إتبع العلماء طريقة قديمة للبحث عن الثقوب السوداء.ففى عام 1983 حسب العالم آلن ديسلير أنه لو كان هناك ثقب أسود ما تدور حوله مجموعة من النجوم فإنه من المنطقى أن تدور النجوم الأقرب بسرعة أعلى كثيرا من النجوم البعيدة حتى ينتهى بها المآل إلى السقوط...وحسب ديسلير أنه من الممكن أن تصل سرعة النجوم لنحو 500 ألف كيلومتر فى الساعة.
إتجه العلماء لكوازار إسمه NGC0168 لمقارنة سرعة نجومه المركزية مع نظائرها فى مجرة أندروميدا.

الفكرة أنه لو كان هناك خطوط طيفية لثلاث نجوم مركزية مختلفة فى الكوازر وفى أندروميدا..فإنه يمكن من خلال حركة خطوط الطيف حساب سرعة دوران النجوم حول المركز...وكان المفترض أن يكون الطيف الخاص بنجوم الكوازر يشير لحركة أسرع....ولكن النتائج حينها أذهلت العلماء.
فالكوازار نظرا لبعده الشديد لم يتسن فصل خطوط طيفية لنجومه...لكن المفاجأة أن طيف النجوم الخاص بأندروميدا أظهر قدر هائل من السرعة أكبر بكثير من المتوقع!...هذا معناه أن هناك ثقبا أسودا هائل الحجم فى قلب أندروميدا
أثارت النتائج حفيظة العلماء وعزى البعض النتائج أنها ربما تكون غير دقيقة...أو ربما هناك قدر من المادة الغير مرئية أو المظلمة فى قلب أندروميدا هى سبب تلك الجاذبية المفرطة.

(وعلى غرار فريتز زفيكى الذى درس الحالات المماثلة للنجم إس-أندروميدا فى مجمل بحثه عن حالات مماثلة ليخلص فى دراسته المضنية إلى ما أصبح معروفا بعد ذلك بظاهرة السوبرنوفا..وإستخلص أن السدم المضيئة ما هى إلا مجرات بعيدة)

قام العلماء بعمل مسح شامل لمجرات الكون المرصودة لدراسة سلوك النجوم المركزية فيها...وخلصت الدراسة إلى أنه كل مجرة فى الكون يوجد فى قلبها ثقب أسود هائل الحجم

وقامت العالمة أندريا جيز بدراسة سلوك درب التبانة وخلصت إلى أنه فى مركزها ثقب أسود!
هل الصدفة وحدها هى ما جعلت ثقب أسود عملاق فى قلب كل مجرة؟
بل إن علماء الكونيات توصلوا فى هذه الدراسة لنتيجة أخرى: كتلة الثقب الأسود العملاق لكل مجرة يبلغ نحو نصف بالمائة من كتلة المجرة!

ما علاقة الثقب الأسود بكتلة المجرة ككل!
كان على العلماء الرجوع لدراسة فى أواخر التسعينات قام بها كلا من لورا فيراريتسى وكارل جيرهارد ...حيث قام العالمان بدراسة العلاقة بين سرعة دوران نجوم أذرع المجرات الحلزونية مع كتلة الثقب الأسود فى المركز وهو ما يطلق عليه القيمة سيجما....لم تكن الأمور لتسير بشكل عشوائى أبدا فى المجرات وهى البنى الرئيسية للكون.

المنطق يقول أن النجوم الطرفية بعيدة تماما عن تأثير الثقب الأسود فى القلب...فالمفترض أنه لا علاقة مباشرة تربط بين سرعة هذه النجوم وكتل الثقوب السوداء التى على بعد مئات السنين الضوئية...ولكن كم كانت دهشة العلماء عندما وجدوا علاقة خطية مباشرة!!

إذن كلما كان الثقب أكبر كتلة كلما كان قيمة السيجما أعلى....لماذا؟ أو ما العلاقة؟
الغريب أن الحل لم يقدمه علماء الفيزياء الفلكية بل إثنين من العلماء الفيزيائيين المغمورين هما مارتين ريبيز و جوسبو....هذا الحل على بساطته كما سوف نرى إلا أنه ينقلنا لمستوى آخر من التفكير المجرد.

ففى بداية تكون المجرة كان هناك سحابة دوارة ضخمة جدا وهائلة الكتلة من الغاز....كان الجذب للمركز شديد جدا...فإنهار المركز على نفسه مكونا ثقب أسود مباشرة دون المرور بأى مرحلة أدنى من ذلك!....هذا الثقب كان نشطا ودوار...وبالتالى كان يلتهم كل ما حوله ونشأ عن ذلك فيض هائل وغزير من الطاقة على هيئة أشعة جاما وإكس وخلافه....هذا الفيض من الطاقة قام بتسخين السحابة المجرية محفزا آلية تكون النجوم النجم تلو الآخر.

الثقب إذن أصبح مولد ضخم للنجوم...وهذا هو ما تشهده مرحلة الكوازارات حاليا
وعندما يبتلع الثقب فى بداية تكونه المزيد والمزيد من المادة....ينتج المزيد والمزيد من الحرارة..فتتمدد سحابة الغاز من حوله ( لاحظ أنه فى العملاق الأحمر الحاجة تفوق معدل التغذية أى أن كمية الوقود النووى التى تغذيه لا تكفى حاجته للبقاء طويلا فيكون عمره قصيرا وسرعان ما ينهار على نفسه...أما ثقبنا هذا...فالتغذية تفوق معدل حاجته...فالمادة الموجودة حوله تشبع نهم جاذبيته فيتغول ويزداد سحقه للمادة بمعدل أعلى من حاجته )......ومع الزمن قدر تباعد السحابة الناتج عن الطاقة الناتجة من الثقب يتفوق على جذب الثقب للمادة من حوله...فتتمدد السحابة مبتعدة عن منطقة الخطر ولا يجد الثقب ما يشبع نهمه...ومع الزمن يخمد الثقب الذى كان نشطا ثائرا.
الآن تحول كوازرنا إلى مجرد مجرة عادية من تلك المجرات التى تملأ الكون تحمل فى رحمها طفلا وديعا كان شديد الصخب فى الماضى!

لكننا حتى الآن لم نجب على السؤال: ما علاقة كل هذا بنجوم المجرة الطرفية؟
تحليل العلماء يقول إنه فى السحابة الأولية التى تكون منها الكوازر الأم...تتكون النجوم وتكتسب كمية تحرك زاوى بفعل عاملين:
1- كمية التحرك الزاوى للسحابة الأم.
2- معدل تغذية الثقب الأسود
فكلما كان الثقب الأسود نشطا فى مراحله الأولية...كلما إبتلع قدر أكبر من المادة.( أى زادت كتلته)....كلما نتج عن ذلك قدر أكبر من الطاقة....كلما كان التحرك الزاوى للسحابة الأولية أعلى....كلما زادت كمية التحرك الزاوى للنجوم الطرفية ( أى زادت قيمة سيجما)
هذه خاصية داخلية أو Interinsic خاصة بكل مجرة منذ النشأة!....لا عجب إذن أن كتلة الثقب الأسود نصف بالمائة من كتلة المجرة ككل...ولا عجب فى ذلك الحبل السرى الزمنى الذى يربط قلب المجرة بأطرافها!!
وهذا معناه أن مجرة درب التبانة الهادئة التى نحيا فيها...كانت يوما ما شابا ثائرا (كوازار مضطرب)...ولكنها تعيش كهولتها الآن بعد أن خمد ثقبها الهائج!

تفسير قد يبدو عجيبا!...ولكن ما يميزه أنه لم يلجأ إلى مادة سرابية غير مرئية تحيط بكل مجرة ولا ندرى عنها شئ البتة!...كما أنه لم يلجأ لفيزياء نيوتن المعدلة التى تعمل فى نطاقات محدودة ثم تعاود اللجوء مرة أخرى بخبث إلى نفس المادة السرابية أو المادة المظلمة

إنتهى الموضوع عند هذه النقطة ولكننا ذكرنا أن الكوازار هى جزء من مجموعة أعم إسمها AGN وهى المجرات ذات القلب المنهار على نفسه نتيجة ثقب أسود عملاق نشط
ما الفرق إذن بين الكوازارات والبلازارات؟
الحقيقة لا فرق بينهم البتة اللهم إلا إننا نراهم من زاوية مختلفة!!....يعنى عبد السميع او رأيته من فوق تلاحظ إنه أصلع أما لو بصيت له من تحت تلاحظ له كرش كبير يكاد يخفى ملامح وجهه...من الأمام أذنه كبيرة...من الجنب أنفه طويل!!.....يعنى من كل زاوية مختلفة له خاصية مميزة مختلفة تظهر...لكنه هو عبد السميع نفسه فى كل الأحوال!
فالكوازر أقل لمعانا من البلازار Blazar Blazing quasi-stellar object لإن أشعة الردايو وأشعة الضوء الصادرة من البلازار تكون فى مواجهة الأرض تمام أو تميل عليها بزاوية أقل...وكلما قلت الزاوية كلما كان أشد لمعانا...أما الكوازار فالأشعة عمودية على مستوى الرؤية.


والآن..مجرات seyfert هى أضعف من الكوازار بنحو مائة مرة من حيث القوة...والبعض يرى أنها مجرد كوازار ولكن نراه من الجنب!....زى عبد السميع أبو كرش كده!...ومجرات السيفرت ليست قليلة..هى تشكل نحو 10% من المجرات

أقوى وأبعد كوازار إكتشفه العلماء هو 3C 273 وهو الكوازر رقم 273 فى قائمة جامعة كامبريدج...على بعد حوالى 12.9 بليون سنة ضوئية!!...يعنى بعد بداية الكون بنحو 800 مليون سنة فقط....وبريقه المطلق (يعنى على بعد 10 فراسخ نجمية)....هو -26.7 درجة...على البعد ده حتكون الشمس مجرد نجم من الدرجة الرابعة بريقه 4.83 ...هذا معناه أن بريهذا الكوازار أعلى من الشمس 4 تريليون مرة!!!!!

التعديل الأخير تم بواسطة galapoxy ; 04-08-2015 الساعة 09:19 PM