علاقة التجارة العربية بالمنظمة العالمية للتجارة
10-13-2009

بقلم د. صباح نعوش
باحث اقتصادي - فرنسا


خلال الفترة الواقعة بين 1947 و1994 نظمت ثماني جولات للاتفاقات التجارية متعددة الأطراف. وتعد الجولة الأخيرة (أوروغواي 1986-1994) أهم واعقد وأطول الجولات بسبب ازدهار العلاقات الاقتصادية العالمية بدرجة كبيرة جدا، فقد تزايدت الصادرات السلعية واتسعت حركات رؤوس الأموال وحدث تقدم تكنولوجي هائل وسريع في ميدان انتقال وتبادل المعلومات. أضف إلى ذلك أن التنظيم التجاري العالمي الجديد لم يعد يقتصر على السلع بل يشمل أيضا الخدمات التي باتت تشكل خمس المبادلات العالمية وكذلك حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة. كما تمخض عن هذه الجولة ظهور منظمة التجارة العالمية التي أصبحت الإطار الوحيد لتنفيذ النظام التجاري الجديد القائم على الاتفاقات متعددة الأطراف (29 اتفاقا).

يرتكز هذا النظام على تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية والرسوم الجمركية وفق مبدأين أساسيين هما:


المبدأ الأول: الدول الأولى بالرعاية. ويعني أن الامتيازات الممنوحة من قبل دولة لبلد ما يجب أن تمنح أيضا للبلدان الأخرى. يهدف هذا المبدأ إذن إلى تحقيق المساواة بين جميع الدول.
المبدأ الثاني: المعاملة الوطنية، ويقضي بأن السلع المستوردة يجب أن تعامل معاملة السلع المنتجة محليا. وتكمن أهمية هذا المبدأ في المساواة بين السلع بغض النظر عن الدولة المنتجة. لكن النظام الجديد وضع عدة استثناءات على هذين المبدأين.
تختلف استفادة الدول من هذا النظام تبعا لدرجة تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية والتكنولوجية، كلما ارتفعت هذه الدرجة وهذه الإمكانيات زادت المكاسب، والعكس بالعكس، وعلى هذا الأساس لم يقم النظام الجديد على اعتبارات إنسانية تهتم بمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبلدان الفقيرة، بل على المنافسة الحادة في جميع الميادين التي قد تفضي إلى تعقيد هذه المشاكل، ولم يقم على المساواة بل على استمرار هيمنة الدول الصناعية الكبرى على الاقتصاد العالمي. ولما كان العالم العربي يتكون من بلدان نامية، تصبح مكاسبه ضعيفة مقارنة بتلك التي يحققها العالم الصناعي، ولما كانت هذه البلدان العربية مختلفة اختلافا كبيرا في ما بينها من حيث تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية، تصبح استفادتها وكذلك معاناتها من النظام الجديد متباينة. ورغم ذلك فإن الانتماء إلى منظمة التجارة العالمية أقل خطورة من الانزواء. وهكذا انضمت إليها 11 دولة عربية، وسوف تحصل بلدان أخرى على العضوية في المستقبل القريب.


يعود تباطؤ الأهمية التجارية العربية إلى عدة عوامل ليست فقط اقتصادية بل كذلك إدارية وسياسية وعسكرية.

تضاعف حجم التجارة العالمية وانحصار التجارة العربية الخارجية
بين عام 1980 وعام 1999 تضاعف حجم التجارة العالمية مرتين، في حين تراجع حجم التجارة الخارجية العربية. في بداية هذه الفترة كانت تجارة الأقطار العربية تشكل 85% من ناتجها المحلي الإجمالي ثم وصلت في نهايتها إلى 43%. تراجعت إذن وبشكل كبير أهمية التجارة الخارجية في الاقتصاديات العربية، في حين حدث العكس تماما على الصعيد العالمي خاصة في الدول الصناعية الكبرى والآسيوية والأميركية اللاتينية. وخلال تلك الفترة ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية بنسبة 52% وانخفضت التجارة الخارجية بنسبة 24%، أي لم تقد زيادة الإنتاج إلى تحسين المبدلات الخارجية، في حين حدث العكس على الصعيد العالمي. بل إن نسبة زيادة التجارة الخارجية العالمية تفوق نسبة زيادة الإنتاج العالمي. لاشك أن تراجع إيرادات النفط ساهم في هذه النتيجة، ولكن يتعين عدم المبالغة في ذلك، فحتى على افتراض حصول البلدان العربية حاليا على إيرادات نفطية تعادل تلك التي كانت تحققها في بداية الثمانينيات فإن الملاحظات المذكورة تبقى صحيحة من الناحية المبدئية.

يعود تباطؤ الأهمية التجارية العربية إلى عدة عوامل ليست فقط اقتصادية بل كذلك إدارية وسياسية وعسكرية، لكن هذا البحث سيناقش فقط الانعكاسات الإيجابية والسلبية للنظام التجاري العالمي المنبثق عن جولة أوروغواي على التجارة الخارجية للبلدان العربية. وسوف تعتمد المنهجية على التحليل الجزئي لهذا النظام أي تفكيكه إلى عناصره المختلفة وبيان تأثير كل عنصر على الاقتصاديات العربية.

أولاً: تأثير تحرير التجارة العالمية
ثانيا: المشاكل التجارية للبلدان العربية
استنتاجات