مشاهدة النسخة كاملة : بحث حول ميزان المدفوعات


ta3lime
10-04-2009, 03:38 PM
مقدمة

من المعلوم أن لكل دولة معاملاتها الخارجية التي ينتج عنها استحقاقات يتعين تسويتها عاجلا أم آجلا و التزامات يجب الوفاء بها اتجاه الغير و في تاريخ معين ، و من هنا عليها إعداد بيانا كافيا و شاملا تسجل فيه مالها على الخارج من حقوق و ما عليها من التزامات و هذا البيان هو ما يسمى ميزان المدفوعات ، هذا الأخير الذي يعطي صورة واضحة عن نقاط القوة و الضعف في الموقف الخارجي للاقتصاد الوطني ، و كذلك تأثير المعاملات الخارجية على الاقتصاد القومي ، حيث نتناول في هذا الفصل ماهية ميزان المدفوعات و مكوناته مع الإشارة إلى كيفية تقييد المعاملات ، ثم نتطرق إلى فكرة العجز و الفائض لما في ذلك من أهمية خاصة عند تحليــل ميزان المدفوعات و في الأخير نسلط الضوء على حالة ميزان المدفوعات الجزائري .

المبحث الأول : إطار المفاهيم المتعلقة بميزان المدفوعات

المطلب الأول : تقديم ميزان المدفوعات
هناك عدة تعاريف لميزان المدفوعات

-التعريف الأول : يعرف ميزان المدفوعات أنه سجل لمسجل المعاملات الاقتصادية بين المقيمين في الدولة معينة و غير المقيمين فيها ، و ذلك لمدة معينة غالبا ما تكون سنة
التعريف الثاني : ميزان المدفوعات هو سجل منظم لجميع العمليات التجارية و المالية و النقدية بين المقيمين و غير المقيمين في دولة معينة لفترة زمنية عادة ما تكون سنة .
-تعريف صندوق النقد الدولي fmi : ميزان المدفوعات هو سجل يعتمد على القيد المزدوج و يتناول أخصائيات فترة زمنية معينة بالنسبة لتغيرات في مكونات أو قيمة أصول اقتصاديات دولة ما بسبب تعاملها مع بقية الدول الأخرى أو بسبب هجرة الأفراد و كذا التغيرات في قيمة و مكونات ما تحتفظ به من ذهب نقدي و حقوق سحب خاصة من الصندوق و حقوقها و التزاماتها تجاه بقية دول العالم ، حيث أن صندوق النقد الدولي استعمل أسلوبا وظيفيا ، بمعنى عدد الوظائف التي يتعين على الميزان توضيحها و بالتالي هو أكثر عمقا .
و نخرج بتعريف أنه يعرف ميزان المدفوعات لدولة ما بأنه سجل منظم أو بيان حسابي شامل لكل المعاملات الاقتصادية التي تتم بين المقيمين في الدولة و المقيمين في الدول الأخرى خلال فترة زمنية معينة عادة ما تكون سنة
و ينبغي أن يكون واضحا من هذا التعريف ما يلي:
• ينصب اهتمام ميزان المدفوعات فقط على المعاملات الاقتصادية سواء تولد عنها حقوقا للمقيمين لدى غير المقيمين أو نتج عنها حقوق لغير المقيمين يتعين على المقيمين أدائها ، أما المعاملات الاقتصادية الداخلية بين المقيمين على إقليم نفس الدولة فلا شأن لميزان المدفوعات بها
• يعتبر الوطنيون هم المقيمين على إقليم الدولة و ذلك يعني أن الأشخاص الذين يقيمون عرضا على أرض الدولة لا يعــتبرون الوطنيين مثل السـواح الأجانب ، و أعضاء البعثات الدرامية و الديبلوماسية رغم تواجدهم بالخارج
• يشمل مفهوم المقيمين كل الأشخاص الطبيعيين و الاعتباريين مثل : شركات بنوك الذين يزالون نشاطهم داخل إقليم الدولة
• الإقامة و ليست الجنسية التي يعول عليها للتفرقة بين ما يعتبر دوليا فيدرج في ميزان المدفوعات و مالا يعتبر كذلك فلا يدج فيه ، فالمعاملات تكون دولية إذا ما تمت بين أشخاص يقيمون في دول مختلفة حتى و لو كانت جنسيتهم واحدة .
• لا توجد قاعدة محددة في بداية الفترة الزمنية التي يغطيها الميزان ، غعلى حين تبدأ بعض الدول الفترة السنوية في أول جانفي و تنهيها في ديسمبر و ذلك لمساعدة السلطات المختصة على معرفة الوضع الاقتصادي الخارجي ، و من ثم العمل على اتخاذ القرارات المناسبة لتدارك الوضع بدلا من الانتظار في نهاية العام .
المطلب الثاني : مكونات ميزان المدفوعات :
ينقسم ميزان المدفوعات أفقيا إلى قسمين هما :
-1الجانب الدائن : و تسجل فيه كل عملية يترتب عنها دخول للعملة الأجنبية ، أي أن الصادرات و كل ما من شأنه خلق حقوق للدولة فبل المستوردين الأجانب أو دخول لرأس المال يقيد في الجانب الدائن .
-2الجانب المدين : و تسجل كل عملية يترتب عنها عملية دفع أو التزام بالدفع للدول الأخرى ، أي أن الواردات و كل ما من شأنه خروج للعملة الأجنبية من الدولة إلى الدول الأخرى يقيد في الجانب المدين .
أما عموديا ففلا توجد تقسيمات موحدة لميزان المدفوعات تتبعها جميع الدول ، لذا حاول صندوق النقد الدولي توحيد طريقة إعداد ميزان المدفوعات فقسمه إلي ما يلي :
-1الحساب الجاري ( حساب العمليات الجارية ) :
يعتبر الحساب الجاري أهم مكونات ميزان المدفوعات ، و يضم الميزان التجاري ، ميزان الخدمات و ميزان التحويلات من جانب واحد .
أ-الميزان التجاري :
و يسمى أيضا ميزان التجارة الخارجية و يشمل صادرات وواردات الدولة من السلع فقط ، أي ما يدخل ضمن التجارة المنظورة فقط .

ب-ميزان الخدمات :
و يضم عمليات التجارة غير المنظورة من نقل ، تأمين ، خدمات البنوك و السياحة ، نفقات أعضاء البعثات الدبلوماسية ، نفقات البعثات التعليمية ، و عوائد الاستثمارات .....الخ التي نقوم بها الدولة مع دول أخرى .
ج-حساب التحويلات من جانب واحد :
تشمل هذه التحويلات الهبات ، التبرعات ، الإعانات ، التعويضات و تحويلات المهاجرين و العاملين في الخارج إلى ذويهم ، و سميت بالتحويلات من جانب واحد لأنه لا يترتب عنها على الدولة المستفيدة أي التزام بالسداد ، و قد تكون هذه التحويلات خاصة أو حكومية فالتحويلات الخاصة مقدمة أو مستلمة من الأفراد و المؤســسات و الهيئات الخاصة مثل تحويلات المهاجرين و هبات المؤسسات الخيرية .....الخ
و التحويلات الحكومية هي المقدمة أو المستلمة من طرف الحكومات مثل : المنح التي تقدم لتدعيم برامج التنمية الاقتصادية أو للاعانته من الكوارث الطبيعية أو لتحويل شراء معدات حربية ....الخ
أما عن كيفية تسجيل هذه العمليات فهي كالتالي :
تفيد في الجانب الدائن من حساب التحويلات من جانب واحد ، و في الجانب المدين لحساب السلع أو الخدمات المقدمة ، هذا بالنسبة للدولة المستفيدة
أما بالنسبة للدولة المانحة فالعكس أي تسجل في الجانب المدين لحساب التحويلات من جانب واحد ، و في الجانب الدائن لحساب السلع أو الخدمات الممنوحة .


-2حساب رأس المال :
يضم هذا الحساب جميع المعاملات الدولية التي يترتب عنها انتقال رأس المال سواء كانت أصولا حقيقية أو مالية من دولة لأخرى و عادة ما يتقسم الى قسمين
أ-حساب رأس المال طويل الأجل :
يشمل هذا الحساب العمليات الرأسمالية التي تفوق مدتها سنة ، و نجد فيه :
• عملية الاستثمار المباشر في الخارج ، و تتقيد هذه الاستثمارات باعتبارها تصديرا لرأس المال ، في الجانب المدين من حساب رأس المال طويل الأجل ، و يقابله قيد في الجانب الدائن من حساب رأس المال قصير الأجل
• عملية الاستثمار الأجنبي في الداخل ، و تقيد هذه الاستثمارات في الجانب الدائن من حساب رأس المال طويل الأجل و الجانب المدين من حساب رأس المال قصير الأجل و ذلك باعتبار هذه العمليات استراد لرأس المال
• عمليات الاقتراض طويل الأجل ، و تقيد في الجانب الدائن ، باعتبارها استيرادا لرأس المال ، و يقابلها قيد في الجانب المدين لحساب رأس المال قصير الأجل .
• عمليات الإقراض طويل الأجل ، و تقيد في الجانب المدين ، باعتبارها عملية تصدير لرأس المال ، و يقابلها قيد في الجانب الدائن لحساب رأس المال قصير الأجل .
• حصة الدولة في المنظمات الدولية و في ملكية العلاقات التجارية و براءات الاختراع ، و تقيد قيمة ما يحققه المقيمون من أنصبة في الاستثمارات المذكورة في الخارج في الجانب المدين من حساب رأس المال طويل الأجل ، لأنها تصدير رأس المال ، و يقابله قيد في الجانب الدائن لحساب رأس المال قصير الأجل . و تقيد قيمه ما يحققه غير المقيمين من أنصبة من الاستثمارات المذكورة في الجانب الدائن ، باعتبارها استيراد لرأس المال ، و يقابلها قيد في الجانب المدين من حساب رأس المال قصير الأجل .


ب -حساب رأس المال قصير الأجل :
يشمل العمليات الرأسمالية التي تقل مدتها عن سنة ، كالاصول النقدية و الكمــبيالات و أرصدة السماسرة و القروض تحت الطلب و سندات الحكومة قصيرة الأجل ، كمال يتضمن أيضا كل زيادة في ألاصدة البنوك المحلية المودعة في الخارج أو نقص في أرصدة الأجانب المودعة في البنوك المحلية ، حيث ينشأ عن هذه العمليات قيد في الجانب المدين ، و يترتب عن كل زيادة في أرصدة الأجانب المودعة في البنوك المحلية أو نقص في أرصدة البنوك المحلية المودعة في الخارج تسجيل في الجانب الدائن من هذا الحساب
و يشمل هذا الحساب أيضا حركات الذهب و يعامل استيراد و تصدير الذهب في ميزان المدفوعات تماما مثل معاملة استيراد و تصدير السلع ، و ينطبق هذا الكلام على الدول المنتجة للذهب كجنوب إفريقيا إلا أن الأمر بالنسبة لمعظم الدول الأخرى ، حيث يعتبر الذهب أصلا من الأصول النقدية التي تستخدم لتسوية المعاملات الدولية ، فالذهب وسيلة معترف بها دوليا للدفع
-3حساب التسويات الرسمية :
يضم الحساب صافي التغيرات الدولية الرسمية ، و التغيرات في الأصول و الخصوم الدولية للسلطات النقدية الرسمية للدولة خلال السنة . و الغرض من هذا الحساب هو التسوية الحسابية لميزان المدفوعات ، وذلك عن طــريق تحركات الاحتياطات الدولية ( الذهب ، العملات القابلة للتحويل ، حقوق السحب الخاصة ، و حصة البلد في المؤسسات الدولية ) و تتم هذه التسوية بالكيفية التالية :
أ-في حالة العجز :
- إما تسديد قيمة العجز ذهبا أو عملات قابلة للتحويل و بالتالي تخفيض مستوى احتياطاتها من الصرف
- أو بطلب قرض قصير الأجل من بلد دائن ، و بالتالي ارتفاع مديوينة البلد صاحب العجز
- أو بتخفيض دائنية البلد اتجاه العالم الخارجي
- أو بالاقتراض ، إما من بلد آخر أو من السوق المالية الدولية أو من مؤسسة مالية دولية كصندوق النقد الدولي

ب- في حالة الفائض :
- اما بزيادة احتياطاتها من الذهب و العملات الصعبة
- أو بتقديم قروض قصيرة الأجل للدول المدينة ، و بالتالي زيادة دائنيتها اتجاه العالم الخارجي
- أو بتسديد ديونها السابقة
و نظرا لعدم قدرة الجهاز الإحصائي للبلد على حصر جميع المعاملات الاقتصادية التي تتم مع العلم الخارجي يتم ادرج حساب السهو و الخطأ ليتطابق مجموع الحسابات الدائنة مع مجموع الحسابات المدينة
أما عن مصادر الحصول على البيانات اللازمة لاعداد ميزان مدفوعات فهي عديدة ، حيث نحصل على قيمة السلع المصدرة و المستوردة من مصلحة الجمارك ، كما تتضمن حسابات الحكومة الإنفاق الرسمي في الخارج ( إنفاق البــعثات الديبلوماسية و العلمية ، فوائد القروض الخارجية ، الدخل من الاستثمارات ، فوائد السندات ، أرباح الأسهم ) . تظهر أيضا البنوك تفاصل المعاملات في الأوراق المالية الأجنبية ، و معظم عمليات الائتمان و القروض الخاصة ، كما تظهر ميزانية البنك المركزي التي تحصل على مستوى الاحتياطات الدولية من عملات أجنبية ، ذهب ، و حقوق السحب الخاصة ...الخ .
المطلب الثالث : التفسير الاقتصادي لأرصدة ميزان المدفوعات
هناك ثلاثة أرصدة أساسية لميزان المدفوعات و لكل منها دلالته الاقتصادية ، و تتمثل هذه الأرصدة فيما يلي :

1 -الرصيد التجاري :
و هو الفرق بين صادرات الدولة ووارداتها . و يعبر هذا الرصيد عن مكانة الدولة في التقسيم الدولي للعمل ، و يبين درجة ارتباطها أو تبعيتها للخارج ، وكذا درجة تنافسية صادراتها .
كما يعبر هذا الرصيد أيضا عن القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني للصادرات و مدى قدرة القاعدة الإنتاجية على الاستجابة لحاجات السكان و مدى الحاجة إلى تغطيتها بالواردات .
-2 رصيد العمليات الجارية :
في حالة تحقيق رصيد موجب ، هذا يعني أن البلد له القدرة على التمويل باعتباره استطاع تكوين ادخار صافي من خلال تعامله مع الخارج ، أما في حالة تحقيق رصيد سالب فهذا يدل على احتياج للتمويل .
و مما سبق يمكننا القول أن رصيد العمليات الجارية مؤثر على قدرات أو احتياجات التمويل لاقتصادها .
-3الرصيد الإجمالي :
هو مجموع رصيد ميزان العمليات الجارية و تدفقات رؤوس الأموال ، و يعبر عن التأثيرات المطبقة على أسعار الصرف ، باعتبار أن العمليات المسجلة في الجانب الدائن تمثل طلبا على العملة المحلية و بالتالي التحسين في قيمتها ، و العمليات المسجلة في الجانب المدين تمثل طلبا على العملات الأجنبية و عرضا للعملة المحلية ، و بالتالي تدهورا في قيمة هذه الأخيرة .
في التحليل الاقتصادي يمكن استخدام عدة مؤثرات يمكن استخراجها من ميزان المدفوعات نذكر منها :
-أ-معدل خدمة الدين :
القسط السنوي المدفوع + الفوائد
معدل خدمة الدين =
إجمالي حصيلة الصادرات السنوية
تعبر هذه النسب عن عبء المديونية الخارجية على الاقتصاد من حيث امتصاصها للعوائد من العملات الأجنبية الناتجة عن التصدير فادا كانت هذه النسبة ضعيفة هذا يعني أن الدولة قادرة على تسديد الالتزامات الخارجية و الاستيراد و دعم احتياطي الصرف و ما يعاب على هذا المؤشر هو أنه يربط بين متغيرين من طبيعة مختلفة ، فمبلغ خدمة الدين بالنسبة للمستقبل معلوم، في حين أن حجم الصادرات هو قيمة تقديرية ، لهذا نقول أن هذا المؤشر أكثر دلالة عن الماضي منه بالنسبة للمستقبل
ب-نسبة خدمات الدين الى الناتج الوطني الخام :
و هي نسبة بين خدمات الدين و الناتج الوطني الخام مقوما بسعر السوق . و تعبر عن نصيب الأجانب من الناتج الوطني الخام . فكلما كانت هذه النسبة مرتفعة كلما كانت القدرات الإنتاجية الوطنية موجهة بصفة أساسية لخدمة الخارج .
و المشكل الذي يطرحه هذا المؤشر هو تباين الأنظمة المحاسبية الوطنية في تقدير الناتج الوطني الخام ، لذا يعد غير صالح للمقارنة بين الدول التي تختلف أنظمتها المحاسبية .
ج-نسبة الدين الخارجي إلى إجمالي الصادرات :
تعتبر الصادرات المصدر الرئيسي لدفع هذه الديون على المدى الطويل و المتوسط فبقدر ما تكون هذه النسبة مرتفعة وقريبة من الواحد بقدر ما يواجه الاقتصاد خطر التوقف عن سداد الديون ، لذلك تحرص الكثير من الدول لا تتجاوز هذه النسبة 50 .
د-نسبة الاحتياط الأجنبي الى الديون :
تعبر هذه النسبة عن قدرة الاقتصاد على مواجهة أعباء المديونية في الأوقات الحرجة لهذا فارتفاع هذه النسبة يدل على وفرة السيولة الخارجية ، ذلك لأن احتياط الأجنبي بمثابة هامش الأمان الذي تلجأا ليه السلطات الأجنبية للحفاظ على استقرار سعر الصرف ، فهو يستخدم لمواجهة الاختلالات الظرفية لميزان المدفوعات
كما أن الارتفاع المفرط لهذه النسبة يعبر عن تجميد للأموال ، و بالتالي فرصة ضائعة لاستثمار هذا الاحتياطي ، و هكذا تتحمل الدولة تكلفة اقتصادية إضافية


ه-الطاقة الاسترادية للاقتصاد :
يعبر عن الطاقة الاسترادية بالعلاقة : Cm = (X+F) - ( D+P)/B
Cm : الطاقة الكلية على الاستيراد
:Xحصيلة الصادرات
:F حجم الأموال الأجنبية المحصل ( قروض و تحويلات )
خدمات الدين كمدفوعات
:P تحويلات نحو الخارج ( أرباح ، مدا خيل الاستثمار )
:B متوسط سعر الوحدة من الواردات
و يمكن كتابة العلاقة السابقة على النحو التالي :

Cm= X-D /B + F-P/B


حيث يعبر الطرف الأول من العلاقة من الطاقة الاسترادية الذاتية الناتجة عن الفائض من حصيلة الصادرات ، بينما الطرف الثاني من العلاقة الاسترادية المقترضة يعني أي حجم تموله القروض و التحويلات الخارجة عن الواردات .
و-تحليل البنية الاقتصادية :
يمكن تحليل البنية الاقتصادية لبلدها على ميزان السلع و الخـدمات الذي يوضح السلع و الخدمات الفائضة عن حاجة الاقتصاد و تلك التي هو بحاجة اليها ، كما يمكن أن يوضح هذا الميزان أيضا أهمية الصادرات ضمن الناتج المحلي الخام . و يعبر عن هذا الأخير

بالعلاقة التالية :

PIB = CF+Abff+ DS +X-M
حيث أن :
PIB : الناتج المحلي الخام
CF :الاستهلاك النهائي
ABFF :التراكم الخام للأصول الثابتة
DS تغير: المخزون
X :الصادرات
M :الواردات
و ما تجدر بنا الإشارة إليه هو أن التحليل الديناميكي لهيكل التجارة الخارجية من شأنه أن يعكس تطور البنية الاقتصادية عبر الزمن ، و ذلك بالاعتماد على موازين المدفوعات لعدة سنوات .

المبحث الثاني : توازن اختلال ميزان المدفوعات

لميزان المدفوعات مفهومين مختلفين يستخدمان في تحديد العلاقات الاقتصادية الدولية يجب التمييز بينهما و هما :
-الأول: هو ميزان المدفوعات المحاسبي : حيث تسجل فيه المعاملات بين المقيمين بدولة ما و غير المقيمين فيها خلال فترة زمنية عادة ما تكون سنة ، و بهذا فانه سجل تاريخي للمعاملات الدولية ، و بالتالي يفيد التنبؤ بالتغيرات المستقبلية في ميزان المدفوعات .
-الثاني : هو ميزان المدفوعات السوقي الذي يركز على ميزان المدفوعات عند نقطة زمنية معينة ، و ليس خلال فترة و يفيد هذا المفهوم في تحليل أوضاع التوازن أو عدم التوازن في ميزان المدفوعات .
المطلب الأول : مفهوم توازن ميزان المدفوعات و أنواعه :
هناك نوعان من توازن ميزان المدفوعات ، توازن محاسبي و توازن اقتصادي
-1التوازن المحاسبي :
يقوم ميزان المدفوعات على أساس محاسبي بسيط هو مبدأ ضرورة التوازن بين جانبيه إلا أن هذا لا يعني ضرورة توازن بنوده ( حساباته ) المختلفة ، فقد يكون حساب العمليات الجارية أو حساب رأس المال غير متوازن ، و هكذا إذا حدث عجز أو فائض في إحدى حسابات ميزان المدفوعات ، فلابد أن ينعكس ذلك على حساب أخر من حساباته .
فعلى سبيل المثال إذا زادت واردات بلد ما عن صادراته أو أدى هذا إلى عجز الحساب التجاري فانه لابد من سداد هذا العجز بالحصول على قروض أجنبية فائضا في حساب العمليات الرأسمالية .
و اذا حدث و كان مجموع حسابات الجانب الدائن يختلف عن مجموع حسابات الجانب المدين فان هذا يعني أن الدولة استلمت شيئا دون أن تحدث تسوية له أو أن تكون هناك عملية حدثت فعلا و لم تدرج في الحسابات ، و هكذا عمليا يحدث هذا الاختلاف عادة و يوضع الفرق تحت حساب السهو و الخطأ و ينشأ هذا الأخير من عدم قدرة المسؤولين على تتبع جميع العمليات التي تحدث في التجارة الخارجية .
و من هنا نرى حتمية توازن ميزان المدفوعات و ذلك لأن الدولة لا تستطيع أن تدفع للخارج أكثر مما تتلقاه أو تحصل عليه حاليا باستثناء قيامها بالسحب من احتياطاتها النقدية ، عن طريق بيع بعض أصولها الى الخارج ، الاقتراض من الخارج أو تلقي الهبات و الهدايا ، كما أنها لا تستطيع الحصول على أكثر مما تدفعه للخارج بدون قيامها بزيادة احتياطاتها النقدية أو الأصول الأخرى أو تقليل التزاماتها قيل الأجانب أو تقديم الهدايا و المنح .
-2التوازن الاقتصادي :
إذا كان التوازن المحاسبي هو تساوي مجموع الحسابات الدائنة مع مجموع الحسابات المستقلة فان التوازن الاقتصادي يركز على حسابات معينة دون أخرى . كما يعني هذا التوازن الحالة التي يتساوى فيها الجانب الدائن بالجانب المدين في العمليات المستقلة . و يقصد بالعمليات المستقلة كل المعاملات الاقتصادية التي تتم مع الخارج دون النظر إلى حالة ميزان المدفوعات أو توجهيه في اتجاه ، كالسـعي وراء تحقيق التوازن فيه ، و تشمل هذه العمليات :
• جميع أنواع الصادرات و الواردات المنظورة و غير المنظورة ، قصد تحقيق رغبات المستهلكين
• التحويلات من جانب واحد للتقليل من التفاوت في مستويات الدخول
• حركات رؤوس الأموال طويلة الأجل التي تهدف إلى التمــلك و تحقـيق الأرباح و نسب الفائدة المرتفعة .
• بعض رؤوس الأموال قصيرة الأجل التي تبحث عن المضاربة أو تهريبها بدافع الحيطة و الحذر .
أما باقي العمليات فهي عمليات تسوية ( موازنة ) مشتقة من العمليات المستقلة الهدف منها هو توازن الجانب الدائن مع الجانب المدين و نذكر منها :
حركات الذهب لتسوية الميزان التجاري ، وزيادة الاحتياطي من العملات الأجنبية أو استعمالها حركة رأس المال قصير الأجل في شكل قروض أو تغير في طبيعة الأرصدة الأجنبية و في حركة للأغراض النقدية .
ملاحظة : أن تقسيم عمليات ميزان المدفوعات ألي عمليات مستقلة و عمليات مشتقة يختلف من دولة لأخرى ، و أحيانا تغير نفس الدولة تقسيمها لهذه العمليات من فترة إلى أخرى .

المطلب الثاني : مفهوم اختلال ميزان المدفوعات و أنواعه
بعد تعرضنا إلى التوازن الاقتصادي لميزان المدفوعات ، نلاحظ أن هذا التوازن قلما يحدث ، بحيث هو أحد الحالات الثـلاث لميزان المدفوعات التالية : الفائض ، العجز ، و التوازن . فكل من الفائض و العجز يعد اختلالا لميزان المدفوعات .
-1مفهوم اختلال ميزان المدفوعات :
من النادر أن يتوازن جانبا الإيرادات و المدفوعات ، فقد يكون هناك فائض في حالة زيادة الإيرادات عن المدفوعات ، و يترتب على ذلك أن تكون الدولة في موقف الدائن لبعض الدول الأجنبية ، و هذا يعني وجود فائض لديها من عملات تلك الدول و تستطيع تلك الدولة ذات الفائض في ميزان المدفوعات إما أن تزيد من اقتنائها للسلع و الخدمات الأجنبية و إما أن تقرض هذا الفائض إلى دول أخرى مزاولة نشاط استثماري في الخارج . كما يعني هذا الفائض أيضا أن الدولة المعنية به تعيش في مستوى معيشي أقل من ذلك الذي يمكنها أن تعيش فيه ، أي لم تتمتع بكل ثروتها ، و زيادة الطلب على صادراتها قد يؤدي إلى رفع أسعار منتجاتها مما يؤدي إلى التضخم ما لم تقم الدولة بإجراء مناسبة في هذا المجال ، حيث يدخل النشاط الاقتصادي حلقة توسعية تتضمن اختلالا بين الأسعار و الأجور فتضطرب العلاقات بين فئات المجتمع . كما أن الفائض يمكن الأعوان الاقتصاديين من اللجوء إلى الاستيراد لارتفاع دخولهم ، و لا يمكن للأجانب من استغلال موارد الدولة و مجهودات عمالها فحسب ، بل من عملية استنزاف طاقاتها و خيرتها الإنتاجية كذلك :
و قد تعاني الدولة من عجز في ميزان مدفوعاتها ، و يترتب عن ذلك زيادة في مديونيتها للعالم الخارجي ، فتعيش في مستوى أكبر من إمكاناتها الحقيقية . كما يترتب عن هذا العجز أيضا الإقبال على عملات الدول الدائنة و انخفاض الطلب على العملة المحلية ، و استمرار هذا الوضع يجعل مركز هذه الدولة ضعيفا في الاقتصاد الدولي فتنهار سمعتها الاقتصادية بين المؤسسات المالية الدولية و الإقليمية .
نشير الى أنه ليس كل عجز مشكلة يجب تفاديها ، لأن تحقيق العجز في ميزان مدفوعات الدول النامية يمكنها من تطوير اقتصادياتها في المراحل الأولى من التنمية ، حيث تستورد السلع الاستثمارية لبناء جهازها الإنتاجي .

-2أنواع الاختلال في ميزان المدفوعات
هناك العديد من أنواع الاختلال ، حيث أنها لا تقتصر على العجز فقط ، و إنما تشمل الفائض أيضا ، و تنقسم إلى قسمين :
أ-الاختلال المؤقت : ينقسم بدوره إلى :
• الاختلال العارض : هو الذي ينجم عن حدوث عارض لا يتفق و طبيعة الأمور و لا يعتبر عن أقوى الاقتصادية للدولة كإصابة محصول زراعي بأنه زراعية أو انخفاض أسعار البترول مما يؤدي إلى اختلال سالبا في الميزان التجاري أو قد يكون الاختلال إيجابي مثل الحروب إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية و بالتالي تحقيق فائض في الميزان التجاري و منه قد يؤدي إلى اختلال إيجابي في مجموعه ، حيث أنه يتلاشى عاجلا أو أجلا دون الحاجة إلى تغيير أساسي في الهيكل الاقتصادي للدولة أو سياستها حيث بطبيعته مؤقت يزول السبب الذي أوجده
• الاختلال الموسمي : يتوقف على المدة التي حدث فيها الاختلال و يمس خاصة الدول التي لهذه المحاصيل الموسمية أو منتوجات موسمية فمثلا في فصل الشتاء يزيد الطلب على البترول و الغاز و بعد هذه الفترة يتلاشى هذا الفائض و يتحول إلي عجز حيث لا يتطلب سياسة لمواجهته اذ من المحتمل أن تتعادل الاختلالات الموسمية على مدار السنة .
• الاختلال الدوري : يمس هذا النوع من الاختلال الأنظمة الرأسمالية في فترات الرواج و الكساد تنعكس أثارها على ميزان المدفوعات فهو يحقق عجزا و تارة يحقق فائضا و هذا الفائض أو العجز يطلق عليه الاختلال الدوري نسبة إلى الدورة الاقتصادية ، مثل هذه التقلبات الدورية تنتقل من دورة إلى أخرى من خلال التجارة الخارجية .
و مثل هذا النوع من الاختلال يمكن علاجه عن طريق اتباع السياسات النقدية و المالية
• الاختلال الاتجاهي : هو الاختلال الذي يظهر في الميزان التجاري بصفة خاصة خلال انتقال الاقتصاد القومي من مرحلة التخلف إلى مرحلة النمو ، ذلك أنه في الفترات الأولى للتنمية تزداد الواردات زيادة كبيرة ، في حين تنعدم
القدرة على زيادة الصادرات بنفس الدرجة ، و ذلك بسبب الطلب المستمر على السلع الرأسمالية الوسيطية التي تحتاجها للنمو الاقتصادي ، و هذا الاختلال يعالج عن طريق رؤوس الأموال الدولية طويلة الأجل ، على أنه لما كانت هذه الحركات مرتبطة بدرجة النمو الاقتصادي فقد ميز الاقتصاديون بين مجموعة مختلفة من المراحل التي يتم بها الدول المقترضة لرؤوس الأموال منذ أن تشرع في تمويل عمليات التنمية ، و هذه المراحل هي :
 مرحلة الدول الحديثة و العهد بالاقتراض ، مرحلة الدول المقترضة المتقدمة
 مرحلة الدولة الحديثة العهد بالاقتراض ، مرحلة الدول المقرضة المتقدمة.
• الاختلال النقدي : يعتبر التضخم أحد مصادر اختلال ميزان المدفوعات ، فمن المعروف أن زيادة الدخول النقدية في دولة ما تولد طلبا متزايدا على الواردات كذلك ارتفاع مستوى الأسعار داخليا يشجع على التحول إلى الواردات البديلة بسبب انخفاض أسعارها إذا ما قورنت بالمنتجات المحلية و الطلب الأجنبي بسبب ارتفاع الأسعار ينخفض على صادراتها أو قد يتحول إلى المنافسة و كل من شأنه أن يؤدي إلى عجز ميزان المدفوعات ، هذا العجز لا سبيل لعلاجه إلا بتخفيض القيمة الخارجية للعملة أو اتباع سياسة انكماشية مناسبة .
2 – الاختلال الدائم ( الهيكلي ) : مصدره تغير أساسي في ظروف الطلب أو العرض مما يؤثر على هيكل الاقتصاد القومي و في توزيع الموارد بين قــطاعاته المـختلفة و يرجع إلى العوامل التالية :
- تحول الطلب الخارجي إلى بعض السلع على حساب البعض الأخر مثل التحول من الفحم إلى البترول
- تغير عرض عناصر الإنتاج ، فقد يتغير عرض العمل بسبب النمو أو عرض الموارد الطبيعية بسبب الاستكشاف و التنقيب .
- تغير فنون الإنتاج ، كإحلال عنصر إنتاجي متوفر نسبيا على عنصر أخر نادر نسبيا مما يؤدي إلى انخفاض تكلفة الإنتاج و من زيادة إمكانيات التصدير .
- التغير في الأصول المملوكة للدولة بالخارج ، بسبب الاستثمارات الخارجية مما يؤدي إلى تغير العائد الأتي من الاستثمارات .
- تحسن مستوى المعيشة الداخلية دون أن ترتفع قوتها الإنتاجية بنفس هذا يؤدي إلى زيادة الواردات بدرجة تفوق قوة الدولة على التصدير .
هذا النوع من الاختلال لا يصلح لعلاجه تغير سعر الصرف و لا تغيير سياسة الإنفاق أو سياسة الأسعار ، و إنما يلزمه الارتقاء بالفن الإنتاجي و التنظيمي حتى تنخفض تكاليف الإنتاج في الداخل و الاتجاه نحو فروع إنتاج جديدة ، و تحديد شامل للطاقات الإنتاجية تدعيما للقدرة التنافسية و بالتالي علاجه يتطلب معرفة الأسباب الحقيقية التي أوجدته .

المطلب الثالث : أسباب و مقاييس اختلال ميزان المدفوعات :
هناك عدة أسباب تؤدي ألي اختلال ميزان المدفوعات أهمها :

-1سعر الصرف المعتمد للعملة الوطنية :
إذا كان سعر الصرف أعلى من المستوى الذي يتناسب مع الأسعار السائدة في السوق المحلية ، يؤدي إلى جعل السلع المحلية مرتفعة السعر مقارنة بالدول الأخرى الذي يؤدي إلى انخفاض الطلب الأجنبي عليها و بالتالي ظهور عجز في ميزان المدفوعات .و العكس في حالة تحديد القيمة الخارجية للعملة المحلية عند مستوى أقل مـما يتناسب و الأسعار السائدة في السوق المحلية مما ينتج عنه فائض في ميزان المدفوعات .
-2تغير بنية العلاقات الاقتصادية الدولية :
إن تغير الطلب العالمي على بعض المنتجات نتيجة الإبداع التكنولوجي يؤدي إلى اختلال في موازين مدفوعات الدول المصدرة لهذه المنتجات كما يؤدي تحكم بعض الدول في الفن الإنتاجي و بالتالي زيادة صادراتها في الوقت الذي تنخفض فيه صادرات الدول الأخرى التي لا تزال تكاليف إنتاجها كما هي .
-3التدخل الحكومي :هناك فاصل زمني بين ظهور الرواج و الكساد في الدول المختلفة ، و بالتالي استخدام أدوات السياسة الاقتصادية يمكن أن يحدث خللا في ميزان المدفوعات لأن الرخاء لا يبدأ في جميع الدول في وقت واحد و تختلف حدته من دولة لأخرى .
-4الظروف الطبيعية : تتسبب الظواهر الطبيعية و الحروب في اختلال موازين المدفوعات الدولية و ذلك لما تستدعيه من زيادة الطلب على بعض المنتوجات و عدم القدرة على التصدير بسبب مخاطر الطريق مما يؤدي استفادات الدول الأخرى التي تصدر نفس المنتجات .
• مقاييس الاختلال :
يمكن التمييز بين مقاييس الاختلال ميزان المدفوعات هما ميزان المستويات الرسمية ، و ميزان الأساسي .

-1ميزان المستويات الرسمية :
إذا كان ميزان المستويات الرسمية مدنيا فانه يشير الى زيادة الحسابات الدائنة عن الحسابات المدينة و هذا يعني أن ميزان المدفوعات في حالة فائض ، أما اذا كان ميزان المستويات الرسمية دائنا فذلك يدل على عجز ميزان المدفوعات .
هناك مجموعة من المعاملات التي لها طابع المستوية ، مثل مشتريات و مبيعات العملات الأجنبية بواسطة البنك المركزي أو الهيئة المسؤولة ، بغرض الحفاظ على أسعار الصرف الثابتة . و كون مبيعات الصرف الأجنبي بواسطة الجهات الرسمية يقلل من الاحتياطات الرسمية في الدولة . و المشتريات تزيد من هذه الاحتياطات معناه أن الاحتياطات الرسمية لم تتأثر بأي معاملات أخرى خلال فترة زمنية معينة و بالتالي يمكن اعتبارها مؤشرا لوضع ميزان المدفوعات و رصيد معاملات التسوية الرسمية كمقياس للاختلال يواجه العديد من الصعوبات أدت إلى التخلي عن استخدامه ، نذكر منها :
- تقويم أسعار الصرف و حرية تقبلها جعل استعاب معظم الاختلالات في موازين المدفوعات من خلال تقلبات أسعار الصرف .
- غالبا ما تتأثر الاحتياطات الرسمية بمعاملات أخرى من غير التدخل في سوق الصرف الأجنبي مثل ما حدث في الو.م.أ حيث ارتفعت لاحتياطات الرسمية ارتفاعا مذهلا نتيجة تدفقات الدخل بالدولار للدول المصدرة للبترول حيث استخدمت هذه الاحتياطات في تسوية ميزان المدفوعات الأمريكي في حين أن نسبة كبيرة من هذه التدفقات يمكن نسبها إلى قرار
- صعوبة التمييز بين المعاملات المستقلة و معاملات التسوية فبإمكان دولة ما أن تقترض لسد العجز في الميزانية ، فهذا القرض يعتبر معاملة مستقلة ، و كذلك بإمكانها الاقتراض لزيادة احتياطاتها من الصرف الأجنبي فهذا القرض يعتبر بمثابة معاملة تسوية و يمكن أن يحقق الهدفين معا .

-2 الميزان الأساسي :
الميزان الأساسي هو المجموع الجبري لصافى أرصدة الحساب الجاري و حساب راس المال طويل الأجل و يفترض أن تكون المعاملات في الحسابات المـعينة مستقلة ( مستقلة عن ميزان المدفوعات ) .
تتميز هذه الحسابات بالاستقرار نسبيا في المدى القصير لذلك توضع فوق الخط أما باقي الحسابات التي تتأثر بعوامل مؤقتة توضع تحت الخط .
يقيس التوازن عندما يتساوى الفائض في الحساب الجاري مع تدفقات رأس المال الطويل الأجل إلى الخارج أو عندما العجز في الحساب الجاري مع تدفقات رأس المال الطويل الأجل إلي الداخل .
و لكن العيب في هذا المقياس هو صعوبة التفرقة بين تحركات رأس المال الطويل أو القصير الأجل ، و كون أن بعض التحركات قصيرة الأجل يكون لها أثر في الأجل الطويل ، كما أن التجارة و الخدمات قد تمول برؤوس أموال قصيرة الأجل .
و لهذا تلجأ الدول و خاصة منها المتقدمة إلى أتباع أكثر من أسلوب لتقدير الاختلال في ميزان مدفوعاتها . و كبديل لتعدد المعايير التي تقيس الفائض أو العجز في ميزان المدفوعات نجد فارق الطلب على العملات الأجنبية و العرض منها ن حيث يتحقق التوازن في ميزان المدفوعات لدولة ما إذا تساوي الطلب على العملات الأجنبية و العرض منها خلال فترة زمنية .

المبحث الثالث : تطور ميزان المدفوعات الجزائري و أرصدته
لعبت التطورات الخارجية دورا رئيسيا في الاقتصاد الجزائري بسبب الدور المسيطر لقطاع المحروقات الذي ساهم بنسب كبيرة في إيرادات الميزانية .
المطلب الأول : عرض و تحليل ميزان المدفوعات الجزائري و أرصدته :
-بالرجوع إلى أواخر الستينات حتى غاية 1978 ( رسم بياني رقم 09 ) نلاحظ أن الميزان التجاري المتمثل في الفرق بين الصادرات و الواردات قد سجل عجزا متواصلا ماعدا سنتي 1974 و 1976 حيث كان الرصيد إيجابي يرجع السبب في ذلك طلب الجزائر على المنتجات و المعدات الأجنبية لتلبية احتياطات التصنيع التي انطلقت كما هو معلوم في بداية السبـعينات . نتج عن تحسن المــيزان التجاري خلال سنتي 74 و 1976 عن عاملين على الأقل هما : ارتفاع قيمة الصادرات من جراء ارتفاع أسعار النفط من جهة و انخفاض نسبي لمستوى الواردات
-أما تغطية الواردات بالصادرات خلال الفترة المذكورة كانت ضعيفة نسبيا رسم بياني رقم 09 و هذا ناتج كما أسلفنا عن سياسة التصنيع المنتهجة و قلة الصادرات خارج المحروقات .
-بدأ الميزان التجاري يعرف تحسنا متواصلا انطلاقا من سنة 1979 اثر الصدمة النفطية الثانية التي عادت بربح على الدول المصدرة للبترول منها الجزائر التي استفادت بزيادة في قيمة صادراتها بحوالي 50 % مقارنة بسنة 1978 و تواصل تحسن الميزان التجاري من سنة لأخرى إلى غاية سنة 1986 رسم بياني رقم 10 .
-حتى منتصف الثمانينات تمكنت الجزائر بفضل ارتفاع أسعار النفط من تمويل الاستيعاب المحلي المرتفع إلا أن الهبوط الكبير المفاجئ لأسعار النفط في عام 1986 أبرز الاختلالات الاقتصادية الكلية الناشئة و كذلك جوانب الضعف في اقتصـاد البلاد و لقد انخفضت صادرات النفط الخام الجزائري بمقدار النصف بين عامي 1986-1985 و انخفضت إيرادات الصادرات الكلية بنسبة ; 38 % ( أنظر الشكل رقم 10 ) و استجابة لهذا الوضع و بالرغم من قيام السلطات برفع معدلات الاقتراض فقد كان عليها أن تلجأ إلى فرض قيود على الاستيراد و هكذا انخفضت الواردات بين عامي 1985 و 1987 بنسبة 43 % من حيث القيمة الحقيقية ، و تعرضت المؤسسات العمومية التي تعذر عليها شراء التقديرات اللازمة للصعوبات .
الرسم البياني رقم 09 تطور الميزان التجاري 79-68
الرسم البياني رقم 10 تطور الميزان التجاري 90-80
و ظهرت حوافز قوية لظهور موازية للفقد الأجنبي و على الرغم من انتعاش أسعار النفط تدريجيا بحلول عام 1990 و ارتفاعها بشكل حاد خلال أزمة الخليج في عام 1991 قامت الجزائر ببذل جهود للانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحا و أكثر اعتمادا على قوى السوق و أبرم اتفاقين تمويلين مع صندوق النقد الدولي في عامي 1989 و 1991 و قد صاحب ذلك عمليات شراء بموجب تسهل التمويل التعويضي الطارئ لصندوق النقد الدولي بسبب تقلب الصادرات و لمواجهة نفقات الواردات من الحبوب ( شكل رقم 10 و 11 ) و في عام 1991 تعرضت الجزائر لأثار الجفاف الذي استمر فترة طويلة و أسعار النفط الدولية التي بدأت في الانخفاض مرة أخرى و أتسم ميزان المدفوعات الجزائري خلال تلك الفترة بخسائر في الاحــتياطات و زيادة الاقتراض و ارتفع رصيد الدين الخارجي من 18,4 مليون دولار ( حوالي 30 % من إجمالي الناتج المحلي عام 1985 ) إلى 26,5 مليون دولار ( 63 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 1993 ) و لم تكن هذه الزيادة ضخمة فحسب بل بدأ نمط أجال الاستحقاق يتجه نحو القصر و أصبح توزيعه غير متكافئ بحلول عام 1994 فقد كانت القروض الجديدة – معظمها من وكالات ائتمان الصادرات قصيرة الأجل ( من سنتين إلى 03 سنوات ) و أسهمت بذلك برفع نسبة خدمة الديون من 35 % من صادرات السلع و الخدمات من غير عوامل الإنتاج في عام 1985 إلى مستوى غير قابل للاستمرار و هو 82 % في عام 1993
و في حين أحرزت السياسات الرامية إلى تحسين الانفتاح الاقتصادي بعض التقدم فانه لم يتم استكمال برنامج الإصلاح و أعاق عبء خدمة الدين الثقيل الجهود المبذولة لتوسيع الطاقة الإنتاجية من خلال الاستثمارات الجديدة و حال دون حدوث انتعاش ملموس للنمو . و مهدت هذه الظروف السبيل أمام التراجع عن الاتجاه نحو اعتماد نظام تجاري أكثر انفتاحا . ففي عام 1992 عادت السياسة التجارية إلى الأساليب الإدارية الماضية عندما فرضت قيودا صريحة على النقد و حظرا على مجموعة واسعة من الواردات . غير أن هذا النهج لم ينجح في احتواء الاختلالات المتزايدة و ظهرت أزمة في النقد الأجنبي في نهاية عام 1993 ، عندما انخفضت الاحتياطات الى أقل من 1,5 مليار دولار ( أي حوالي شهر من الواردات ) في مواجهة هذه الأزمة اتخذت السلطات مبادرة كبر للإصلاح في أوائل عام 1994 ، بمساندة ترتيب توصلت إليه مع صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى برنامج شامل لاعادة جدولة الديون . ففي افريل 1994 عقد اتفاق للاستعداد الائتماني مدته سنة ثم اتفاق لمدة ثلاثة سنوات في إطار تسهيل الصندوق المعزز في عام 1995 و صاحب الاتفاقين الحصول على قرض في إطار تسهيل التمويل التعويضي و الطارئ و اتفاقات لاعادة جدولة الديون في نادي باريس . و تم التوصل إلى اتفاق لاعادة جدولة الديون التجارية مع نادي لندن تم إبرامه في جويلية 1996 .
استهدف برنامج السلطات فيما يتعلق بالقطاع الخارجي خفض خدمة الدين إلى مستوى قابل للاستمرار و تحسين أوضاع ميزان المدفوعات بحلول منتــصف عام 1998 . و كان العنصر الرئيسي في هذا الجهد هو خفض قيمة الدينار الجزائري و التحول من ربط الدينار بسلة من العملات إلى نظام التعويم الموجه الذي يستجيب لاشارات السوق على خلاف الفترات السابقة صاحب خفض العملة الحـصول على مـساعدة خارجية و اتباع سياسات اقتصادية ملائمة ساهمت في تعزيز عملية ضبط الأوضـاع المـالية و الإنعاش الاقتصادي . و تضمنت هذه السياسات ما يلي :
-تحرير الأسعار و نظامي الصرف و التجارة بشكل رئيسي لتقريب الأسعار المحلية إلى الأسعار العالمية و تقديم الحوافز الملائمة للسوق .
-اتباع سياسات مالية متشددة
-القيام بإصلاحات هيكلية لإنشاء آليات السوق و تحقيق استجابات العرض
و استهدفت استراتيجية الإصلاح الحد من نقص الواردات الذي نشأ نتيجة الضوابط الإدارية ، و كان الحساب الجاري الخارجي قد تحول من فائض بنسبة 1,6 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 1993 إلى عجز قدره 5,3 % من هذا الإجمالي في عام 1995

الرسم البياني في رقم 11 : تطور الميزان التجاري 98-91
تأثرت الأوضاع الخارجية بشكل سلبي نتيجة لهبوط معدات التبادل التجاري عام 1994 بسبب انخفاض أسعار النفط ، و في عام 1995 بسبب ارتفاع تكاليف استراد الحبوب بينما انخفضت التدفقات المالية الخارجية بشكل ملموس .
ففي عام 1994 كانت التدفقات الرأسمالية الوافدة مازالت مرتفعة إلى حد كبير حيث بلغت 4,6 مليون دولار ، و قد سمحت هذه التدفقات بالإضافة إلى الدعم المقدم لميزان المدفوعات يتراكم الاحتياطات الرسمية إلى ما يعــادل ثلاثة أشهر مـن الواردات ، و انخفاض عبء خدمة الديون من 82 % من الصــادرات إلى 49 % ( شكل 13 ) و على العكس من ذلك في عام 1995 حدثت زيادة في الواردات خارج قطاع المحروقات عقب تطبيق التدابير الخاصة بتحرير الواردات ، و تعويض البلاد لموجة جفاف شديدة بالإضافة تحركات أسعار الصرف التي رفعت تكاليف خدمة الدين من حيث قيمتها بالدولار الأمريكي و أسهمت كل هذه التطورات في تدهور عجز الحساب الجاري إلى أكثر من 5 % من إجمالي الناتج المحلي و مع الإقلال من القروض الجديدة و بالرغم من دعم ميزان المدفوعات بمبلغ 06 ملايين دولار فقد هبطت الاحتياطات الرسمية بمقدار 530 مليون دولار و لكن هذه الاتجاهات طرأ عليها تغيير جذري في عامي 1996 و 1997 فبينما ارتفعت حصيلة صادرات المحروقات بقوة بعد أن قفزت أسعار النفط بمقدار 04 دولارات لتصبح 21,7 دولار في المتوسط للبرميل الواحد ، حدث انكماش في الواردات بعد إشباع الطلب المكبوت عليها و لانتهاء من إعادة تجديد المخزون و انتقل وضع الحساب الجاري إلى فائض بنسبة 2,7 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 1996 و 7,3 % في عام 1997 و على الرقم من حدوث انخفاض أخر التدفقات الرأسمالية الوافدة إلى 1,8 مليون دولار ارتفعت في نهاية 1996 ، و 08 ملايين في نهاية عام 1997 .
و في سنة 1998 و بظهور الأزمة الأسيوية تراجع سعر البرميل من النفط الى مستوى 14,1 دولار في السداسي الأول من سنة 1998 مقابل 19,8 لنفس السداسي من السنة السابقة الأمر الذي انعكس على الايرادات من الصادرات النفطية يتراجعها بقيمة 3,5 مليار دولار . هذا الانخفاض في أسعار النفط أثر
شكل رقم 12 : التدفقات الجارية
شكل رقم13 الدين و خدمة الدين
بشكل كبير على التوازنات الكبرى لاقتصاد الجزائري ، و لقد استمر هذا الانخفاض في نهاية سنة 1998 و طوال سنة 1999 ، أن هذا الوضع ينعكس بدوره على القدرة التسديدية للاقتصاد الجزائري سواء تعلق الأمر بخدمات الدين الخارجي كونها مرتبطة بعوائد الصادرات أو بتسديد الواردات بل يمتد الأمر إلى استخدام الاحتياطي من العملات الأجنبية فالبرغم من انخفاض حجم المديونية الخارجية سنة 1998 إلى 30,5 مليار دولار بعدما كانت 32,2 مليار دولار سنة 1997 فان معدل خدمة الدين انتقل من 30,3 % سنة 1997 إلى 47,50 سنة 1998 ، و إذا كان هذا هو حال انخفاض أسعار النفط فان ارتفاعها بالمقابل يترك أثاره الإيجابية على التوازنات الخارجية للاقتصاد الجزائري كما هو الحال سنة 2000 التي عرفت ارتفاعا مفاجئا لأسعار البرميل من النفط أفرز حصيلة للصادرات في السداسي الأول من هذه السنة ما يقارب 20 مليار دولار و هي حصيلة كان بعيد تخفيضها خلال العام في السنوات السابقة ، حيث بلغ سعر البرميل سنة 2000 ، 28,50 دولار و هي نسبة مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة التي أدت إلى قفزة معتبرة لمخزون احتياطي الصرف الذي بلغ مستوى 11,9 مليار دولار مقارنة بسنة 1999 أين بلغ 4,58 مليار دولار بارتفاع حوالي 3 أضعاف في الوقت الذي سجل رصيد موجب للميزان الجاري ب 8,93 مليار دولار بارتفاع بنسبة 446,5 % مقارنة بسنة 1999 الذي قدر ب 0,02 مليار دولار ، و رصيد مرتفع كذلك للميزان التجاري ب 12,30 مليار دولار بزيادة تقدر ب 366,07 % أي بحوالي 4 أضعاف بنسبة لسنة 99 ، و نفس الشيء للرصيد الإجمالي حيث حقق فائض معتبر مقارنة بسنة 99 أين كان عاجزا ، و استمرت الوضعية الحسنة لميزان المدفوعات خلال سنة 2001 أين سجل رصيد موجب للميزان التجاري لكن بتدهور بنـسبة 21,86 % مقارنة بسنة 2000 و نفس الشيء بالنسبة للرصيد الإجمالي الذي حقق بدوره فائضا لكن بانخفاض بنسبة 18,22 % بالمقارنة مع سنة 2000 ، و هذا راجع لتراجع عائدات النفط أين بلغ سعر البرميل الواحد لــسنة 2001 ب 24,85 دولار ، و هذا كله لم يمنع من تعزيز احتياطات الصرف التي بلغت نهاية سنة 2001 ، 17,96 مليار دولار و 23,10 مليار دولار في نهاية ديسمبر2002 ، هذا ما يؤدي إلى تحسين الوضعية المالية الخارجية و تجنب إعادة جدولة للديون ، حيث أن الجزائر لم تعرف جدولة جديدة لديونها منذ سنة 1998 إلى حد الآن ، حيث قدرت إعادة الجدولة لسنة 1998 ب 0,52 مليار دولار بانخفاض يقدر بنسبة 76,57 % مقارنة بسنة 1997 ، هذا ما بين تحقيق توازنات مالية كبرى ( داخلية و خارجية ) ، و لأول مرة في تاريخ الجزائر تفوق احتياطات الصرف قيمة المديونية الخارجية حيث قدرت نهاية 2002 ب 20,50 مليار دولار أمريكي ، أي أن الجزائر تمتلك تغطية لوارداتها تفوق 24 شهر ، و لقد تعدت احتياطات الصرف سقف 23,00 مليار دولار .
و قد سجل تراجع مليار دولار في الرصيد الإجمالي لميزان المدفوعات أي 5,19 مليار دولار و الاحتفاظ بمستوى الفائض الجاري ب 5,4 مليار دولار سنة 2002 التراجع بنسبة 23,51 % عن سنة 2001 ، و يتراجع بنسبة 16,15 % في الميزان الإجمالي ، أين بلفت صادرات الجزائر في نهاية السداسي الثاني لسنة 2002 ب 18,7 مليار دولار ، و بلغت الواردات 11 مليار دولار ، أي فائض في الميزان التجاري ب 7,8 مليار دولار ، بتراجع عن مستوى سنة 2001 بنسبة 18,83 ، و يرجع هذا الانخفاض إلى تراجع مداخيل الصادرات المحروقات التي بلغت 18,1 مليار دولار مقابل 19,09 سنة 2002 ، و يرجع الارتفاع في مستوى الواردات إلى ارتفاع الواردات التجهيزية التي ارتفعت بنسبة 16,03 % عن سنة 2001 .
هذا التحسن في احتياطي الصرف من شأنه أن يجعل الجزائر في وضعية مربحة ، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع مؤسسات النقد الدولية و القدرة على نتفيذ لمشاريع التنمية مضيفا أن المؤسسات المالية الدولية ترى أن الجزائر خرجت من الوضع المزري الذي كانت عليه و تتعامل معها لأنه من المؤيدين لاصلاحات الاقتصادية .

المطلب الثاني : مشاكل التنبؤ بميزان المدفوعات الجزائري
الجزائر كغيرها من دول العالم الثالث تعرف تخلفا في انتاج المــعلومات الاقتصادية و ضعفا في المنظومة الاعلامية يتمثل في بطىء ترفق المعلومات من مؤسسة لأخرى ، فضلا عن عدم التحكم في أساليب معالجة المعلومات مما ينعكس على مصداقيتها الشيء الذي يجعل الأرقام المقدمة بعيدة عن الواقع ، و ذلك راجع لسببين هما :

-1هشاشة نظام المعلومات الاقتصادية الجزائرية و طبيعة نظام الحسابات القومية :
تتميز المعلومات في الجزائر بالكثير من النسبية و عدم الدفة مما يجعل السياسات المبنية تطرح الكثير من الاعتبارات المصداقية لأن هذه الأخيرة لا يمكن تحقيقها إلا إذا تأكد الأعوان الاقتـصاديون من أن السـلطات الاقتصادية لن تقوم بمراجعة تصرفاتها و تدابيرها في المدى المنطور حيث أن المعلومات في الجزائر تعاني من جوانب قصور عديدة أهمها :
-عدم القدرة على رصد التغيرات و التقلبات العشوائية التي تتعرض لها المقادير الاقتصادية بالنظر إلى المدة الزمنية الكبيرة التي يتم فيها إعادة البيانات .
إن نظام المحاسبة الوطنية الجزائرية الحالي غير قادر على إعداد الجداول الكلية في مدة تتجاوز أحيانا عشر سنوات ، فمنذ الاستقلال إلى اليوم لم يتم إلا اعادا ثلاثة جداول للمخرجات و المدخلات على سبيل المثال إعداد و لا جدول مالي واحد .
-عدم موافقة نظام الحسابات القومية الجزائري للأنظمة المحاسبية الدولية إذ أن الجزائر منذ عام 1975 تعتمد نظاما للحسابات القومية ذو طابع هجين يستدفي الكثير من مفاهيمه و مبادئه نظام المحاسبة للناتج المادي المرتكز على مفاهيم ماركسية تدعمها المنطلقات التنموية السائدة آنذاك التي تستخدم التخطيط المركزي إلا أن الجزائر شأنها في ذلك شأن الدول الانتقالية شرعت في التحول نحو اقتصاد السوق الحر . و هذا التحول يتطلب تغيير الأساليب الإدارية المــستخدمة في الإدارة المـركزية للاقتصاد و تكوين مؤسسات و آليات ذات طابع سوقي إلا أن الأمور قد لا تسير بسرعة مما يخلق بطء في التحول تظهر بعض معالمه فيما يلي :
- بقاء سيطرة القطاع العام على الإنتاج
- تخلف النظام المالي المصرفي و عمله بعيدا عن المعايير الدولية
- ضعف اندماج الاقتصاد الجزائري في الاقتصاد العالمي
و ربما لهذه الأسباب ظل مستمرا استخدام نظام الحسابات الاقتصادية القومية في بلورة الأحصائات رغم كونه لا يستجيب للمرحلة و لا لمتطلبات الهيئة الدولية التي تحتاج الى معلومات ترتكز على تدفقات الدخل و التدفقات المالية و تكون منسجمة مع المعايير الدولية المؤسسة في نظام المحاسبة القومية للأمم المتحدة الذي تمت مراجعته عام 1993 في إطار رؤية شاملة و متكاملة و متناسقة و على هذا أصدر صندوق النقد الدولي مجموعة من الأدلة أهمها :
- دليل ميزان المدفوعات 1993
- إحصاءات مالية لحكومة 1998
- دليل المحاسبة في ظل التضخم 1996
- الإحصاءات النقدية و المالية 1996
حيث أن بقاء نظام المحاسبة الوطنية الجزائري قائما لا يساعد على إعداد موازين المدفوعات وقف المفاهيم الدولية المعتمدة –
-2صعوبة إدراك المتغيرات المؤثرة في سلوك المؤسسات و حجم التأثير الخارجي على الاقتصاد الجزائري :
إن صياغة معادلات سلوكية ليست عملية سهلت ، فالأمر يتطلب القيم بدراسة شاملة لمختلف جوانب الاقتصاد الوطني على مدار عدد كبير من السنوات بالإضافة إلى أن اختيار النماذج الملائمة لطبـيعة الاقتصاد الجزائري و اختبارها يتــطلب عملا ذهنيا و تقنيا ليس دائما متاح و باعتبار ميزان المدفوعات مسجلا سجلا شاملا لمختلف التعاملات مع الخارج فانه يمكننا الإشارة إلى المشكلات التالية :
- مدى القدرة على إدخال قيود كمية التي كانت تفرض على الواردات التي تم التخلي عنها لصالح القيود التعريفية تماشيا مع الجات و المنظمة العالمية للتجارة
- صعوبة إدراك المتغير الأساسي الذي يتحكم في الحصيلة من النقد الأجنبي
- صعوبة تحديد القدرة التنافسية للاقتصاد الجزائري أخذا بعين الاعتبار الأسعار الداخلية مقارنة بالأسعار الخارجية لما لذلك من ارتباط بالدورات الاقتصادية في البلدان من جهة و بتحركات و تقلبات أسعار الصرف المعلومة من جهة أخرى
- صعوبة إدراك نصيب تأثير كل من سياسات العرض و سياسات الطلب على ميزان المدفوعات لما لهما من تداخل في النهاية مما يجعل سياسة التركيز على نوع من السياسات ، لما تظهر صعوبة في ادارة السياستين مع في آن واحد
- عدم اتساق البيانات بالنظر الى اختلاف مصادرها ليتعدى ذلك الى الحديث عن مصداقيتها و تحديد أي البييانات أولى لبالاعتبار بالاضافة الى وجود بيانات تحتاج الى تعديل قبل استخدامها في المعملات و الانماذج و هذا ما طرح مشكلات عند تقديم البيانات الرسمية أمام بعض الجهات كالبرلمان حيث كانت البيانات في كل مرة عرضة للطعن و التشكيك سواء بمناسبة عرض قانون المالية السنوي في ظل ات أخرى ، فوصل الأمر أحيانا إلى اختلاف بيانات نفس الدائرة المركزية الحكومية بمجرد تغيير المسؤول عنها . و إذا كان من البديهي أن الاقتصاديات اليوم مرتبطة فيما بينها لا بنظر إلى :
- التعاون الموجود بين الاقتصاديات في مجال تبادل المعلومات
- التقاطع الموجود بين الكثير من المتغيرات الاقتصادية التي تنمو بالتوازي في مختلف الاقتصادات في نفس الوقت
- التجانس في السـياسات الاقتصادية الذي أصبحت تفرضه الهيئات الدولية حتى و إن كان ذلك لا يعني أن الدول تتبع نفس السياسة في القدرة على تحديد حجم التأثير الذي تمارسه الظروف الدولية على المؤسسات الدولية أمر بالغ الصعوبة و التعقيد و هذا ما يترك ظلالة على التنبؤ بميزان المدفوعات .
إن الوضع الدولي بما يطرحه من مشكلات تجعل الدول دائما في وضعية مراجعة في توقعات النمو العالمي ، نتيجة الأزمات العشوائية غير المتوقعة ، ففي سنة تمت مراجعة توقعات النموذجي :
 الدول السبع الصناعية من 2,5 % إلى 2 %
 دول جنوب شرق أسيا من 6,2 % إلى 3,2 %
 اليابان من 2,3 % إلى 1 %
و مثل هذه الأوضاع لها انعكاساتها على الاقتصاد الجزائري ، الا أن حجم هذه الانعكاسات يبقى صعب التقدير بالنظر الى ضعف اندماج الاقتصاد الجزائري في الاقتصاد العالمي ، و ضعف عوامل الجذب للمناخ الاستثماري الجزائري نتيجة انغلاق الجهاز المصرفي ، ضعف المواصلات و تأرجح الاصلاحات الاقتصادية .

المطلب الثالث : آفاق ميزان المدفوعات الجزائري في ظل المعطيات الاقتصادية الجديدة
ليس من المهم فقط أن نقف على وضعية ميزان المدفوعات ، و انما أيضا معرفة الأفاق المستقبلية له ، هذه الأخيرة تبقى مستحيلة ما لم يتم اعتبار بعض المتغيرات الأساسية في الاقتصاد المرتبطة أكثر بالاقتصاد العالمي ، و باتالي نحاول تحليل عنصرين هامين اللذين يمكن أن يؤثر على الوضع المستقبلي لميزان المدفوعات الجزائري .
_________________
1اليورو و التكامل الاقتصادي الأوروبي :
يعتبر إدخال اليورو متغيرا جديدا من متغيرات الاقتصاد العالمي بالنظر إلى مكانة الاتحاد الأوروبي في العلاقات الاقتصادية الدولية حيث أدى اعتماد اليورو كعملة دفع دولية جديدة منافسة للدولار الأمريكي . فضلا عن إمكانية استخدامه كاحتياطي لدى البنوك المركزية للدول النامية ، و يمكن له أن يؤثر على بعض الاقتصاديات الأخرى من بينها الجزائر ، و ذلك من خلال ارتباط الجزائر مع الاتحاد الأوروبي في تعاملاتها المتميزة ب :
- 66,8 % من الواردات الجزائرية مصدرها الاتحاد الأوروبي
- 62,8 % من الصادرات الجزائرية مالها الاتحاد الأوروبي
- 24,8 % من الديون الجزائرية الخارجية المقومة باليورو
و بهذا يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك اقتصادي للجزائر و يتوقع أن يتم تعزيز هذا الوضع بتنفيذ مبادرة أوربا دول المتوسط و أن يساهم في استقرار أسعار الصرف لكونه حل محل معظم عملات دول الاتحاد الأوروبي مما يؤدي إلى زيادة التقلبات القائمة بين أسعار صرف عملات دول الاتحاد ، إلا أن هذا الوضع لا يمنع من تقلب الأورو مقابل الين و الدولار الأمريكي . و سوف يحقق هذا الاستقرار المنافع للدول المثقلة بالديون و العاجزة عن زيادة تنويع التزاماته الخارجية كالجزائر نتيجة محدودية فرص دخولها إلى أسواق الاقتراض العالمي .
و يعمل إدخال اليورو في التعامل على تعديل موقع الدولار الأمريكي في زيادة النظام النقدي الدولي ، مما يؤدي بالولايات المتحدة الأمريكية إلى فقدان جزء من نفــوذها ، و يمكن أن يؤدي ذلك إلى خسارة بالنسبة للشركات للإنعاش الاقتصادي لأن اليورو يستمد قوته من اندماج المجال المالي للاقتصاد الأوروبي و ارتكازه على اقتصاديات ذات حجم قوي نوعا ما كما ستكون السوق المالية الأوروبية بعيدة عن التقلبات النقدية الداخلية و هذا من شأنه تعزيز فرص النمو الأوروبي مما يدعم طلبها على المحروقات و على بعض المواد الأولية من الجزائر ، بالإضافة إلى أن الزيادة في القوة الدورية لمنطقة اليورو و سوف تؤدي إلى زيادة مباشرة في الصادرات الجــزائرية إلى أوربا و يمكن أن يؤدي اعتماد العمل باليورو إلى إصلاح سوق العمل و معالجة المشاكل الاقتصادي الهيكلية الأخرى .
إن من الإشكاليات القائمة اليوم تتعلق بمدى ضرورة تكييف الاقتصاد الجزائري مع اليورو باعتبار الاتحاد الأوروبي أهم شريك للجزائر ، و هل يمتد ذلك إلى الدينار الجزائري باعتماد اليورو مرجعا في تسعيره ؟ و هل يسمح ذلك بتقليص مخاطر الصرف بالنسبة للديون الجزائرية ؟ و يمكن النظر إلى ذلك من زاوية تصحيح سعر الصرف حتى يتلائم مع منطق الروابط التجارية للجزائر .
فإدخال اليورو و تعميمه سيحدث الكثير من الآثار على مستوى العديد من المتغيرات التي لها علاقة مباشرة بميزان المدفوعات الجزائري و أهمها :
 اتجاه الصادرات الجغرافي
 المصدر الجغرافي للواردات
 هيكل الديون الجزائرية بالعملات
 هيكل الاحتياطي من العملة الصعبة
 طرق فوترة و تسديد المعاملات الخارجية
و هي قضايا تبقى متعلقة بالمقدار الذي يمكن أن يكرسه الاتحاد الأوروبي لنفسه في الاقتصاد العالمي أمام المنافسة الأمريكية و اليابانية و الجنوب شرق أسيوية .
-2آفاق النمو العالمي :
لقد أفرزت الأزمة المالية العالمية لسنوات التسعينات مجموعة من الانعكايات على الاقتصاد العالمي خارج التوقعات ، جعلت الاتجاهات العامة للمؤشرات الاقتصادية متوقفة على مستوى النمو أو حجم الركود الاقتصادي الذي يعرفه الاقتصاد العالمي .
و الاقتصاد الجزائري و منه ميزان المدفوعات ليس بعيدا عن هذه الحقيقة ، ذلك أنه بالقدر الذي تسهر فيه العولمة في تشجيع تحرير حركة رؤوس الأموال ، فانها لا تستطيع تحديد آثار المضاربات على هذه الأموال .
لقد أسفرت تلك الأزمة عن ركود اقتصادي رهيب نتج عنه توسع في حجم البطالة ، مما كان له الأثر المباشر على أسعار المواد الأولية و منه النفط ، إن التراجع في أسعار النفط سنة 1998 أدى إلى الحد من فرص النمو في المنـطقة العربية بكاملها ، و الاقتصاد الجزائري المعتمد على النفط لا يمكن تجاوز مشكلاته المرتبطة بتذبذب أسعار النفط الخارجة عن ارادتها بل عن سيطرة منظمة الأقطار المصدرة للنفط أصلا ، بما يجعل من المفيد تحليل دور و مكانة منظمة الأوبيك داخل الاقتصاد على ضوء هذا الواقع .
-غير أن وضع ميزان المدفوعات الجزائري مازال حساسا لعدد من العوامل الخارجية عن إرادتها خصوصا تقلبات أسعار النفط العالمية . و تنطوي التقلبات في أسعار النفط على آثار واضحة بالنسبة للميزان التجاري لأن صادرات المحروقات مازالت تمثل حوالي 95 % من إجمالي حصيلة الصادرات ، و على الرغم من الحاجة إلى تجنب تعرض البلاد للخطر عن طريق تنويع الصادرات فمن المرجح أن تواصل الصادرات النفطية سيطرتها على التدفقات التجارية الجزائرية على المدى الطويل ، بالنظر إلى الاحتياطات المحروقاتية المركبة و خصوصا الغاز الطبيــعي و علاوة عــلى ذلك و بجانب أثر قطاع المحروقات على الاقتصاد المحلي تتأثر عناصر أخرى من ميزان المدفوعات باحتمالات النمو ، في قطاع الصناعة ، مثل تجارة الخدمات ذات الصلة بالنفط و الاستثمارات الأجنبية و الواردات ذات الصلة بالنفط و بالإضافة إلى ذلك مازالت الجزائر معرضة لتغيرات أسعار الحبوب العالمية ، لأنها أكبر مستورد للقمح الخشن ، و تزيد وارداتها من المواد الغذائية على بليوني دولار ، و هناك مجال كبير للتغلب على هذا الوضع مثل تحرير الأسعار في الزراعة الذي أدى ألي زيادة الإنـتاج و من المتوقع أن يؤدي منح حقوق الملكية للمزارعين في عام 1998 إلى زيادة الاستثمارات و ثمة عامل أساسي آخر لتحقيق النمو القابل للاستمرار ، يقترن بقوة الوضع الخارجي ، يتمثل في قدرة الجزائر على اجتناب تدفقات رأس المال الخاص التي ينشأ عنها ديون و خاصة الاستثمار في القطاع الغير محروقاتي . و مع تطور الاقتصاد و تولي قوى السوق تخصيص الموارد لاستخداماته الإنتاجية ، ينبغي أن تتمكن الجزائر من اجتذاب التدفقات الرأسمالية و الاستثمار المباشر بما يتماشى مع الإمكانات الإنتاجية للاقتصاد . و من شأن ذلك أن يسمح بزيادة الواردات و التشجيع على نقل التكنولوجيا و الخبرة الأجنبية و سوف يلعب تحسن الثقة في الإمكانات الاقتصادية الجزائرية و استقرار الأوضاع الاقتصادية و السياسية دورا أساسيا في تعزيز قدرة الجزائر على جذب مستويات أعلى من الاستثمار الأجنبي .
ان حساسية الاقتصاد الجزائري لآفاق النمو العالمي تعود الى عدم مرونة سعر الصرف وهذا مايدفع الى زيادة الطلب على الدولار من قبل الأعوان كونه العملة الأقل خ
خاتمة
يعتبر ميزان المدفوعات أحد المعالم الاقتصادي لأي بلد وكأداة لتسوية المعاملات الخارجية ،حيث تدرج فيه مختلف عمليات التبادل الدولي ،وهو سجل ينقسم إلى جانبين ،جانب دائن تسجل فيه تلك المعلومات التي يترتب عنها دخول للعملة الأجنبية ،وجانب مدين تسجل فيه المعاملات التي تتيح وسائل لتغطية هذه الالتزامات ،كما يساعد السلطات العمومية على صياغة السياسات الاقتصادية المناسبة بالاظافة إلى أنه يسمح بالحكم على الوضعية الاقتصادية والمالية للدولة ،وكمرآة يوضح نقاط الضعف والقوة للبلد من حيث التركيبية السلعية للصادرات والواردات .

1978
11-30-2011, 08:12 PM
مشكور كل الشكر أخي على البحث الجد قيم

walidgang23
11-04-2012, 10:21 PM
الاقتباس غير متاح حاليا
شكرااااااااااااااااااااااا

bibou2013
11-10-2012, 04:21 PM
الاقتباس غير متاح حاليا

adda325
11-11-2012, 10:43 AM
شكرا لك merci

نوار جيلالي
01-29-2013, 05:40 PM
الاسلام دبن الله

smail@infg
01-31-2013, 05:13 PM
مقدمةعامة
أصبحت الحاجة إلى البحث العلمي في وقتنا الحاضر أشد منها في أي وقت مضى، حيث أصبح العالم في سباق محموم للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعرفة الدقيقة المثمرة التي تكفل الراحة والرفاهية للإنسان وتضمن له التفوق على غيره.
وبعد أن أدركت الدولُ المتقدمة أهمية البحث العلمي وعظم الدور الذي يؤديه في التقدم والتنمية.. أولته الكثير من الاهتمام وقدَّمت له كل ما يحتاجه من متطلبات سواء كانت مادية أو معنوية، حيث إن البحث العلمي يُعتبر الدعامة الأساسية للاقتصاد والتطور.
ومع أن البحوث تحتاج إلى وسائل كثيرة معقدة وتغطي أكثر من مجال علمي وتتطلب الأموال الطائلة، إلا أن الدول المدركة لقيمة البحث العلمي ترفض أي تقصير نحوه، لأنها تعتبر البحوث العلمية دعائم أساسية لنموها وتطورها.
وأيضاً فإن الإلمام بمناهج البحث العلمي وإجراءاته أصبح من الأمور الضرورية لأي حقل من حقول المعرفة، بدءاً من تحديد مشكلة البحث ووصفها بشكل إجرائي واختيار منهج وأسلوب جمع المعلومات وتحليلها واستخلاص النتائج.. وتزداد أهمية البحث العلمي بازدياد اعتماد الدول عليه، ولا سيّما المتقدمة منها لمدى إدراكها لأهميته في استمرار تقدمها وتطورها، وبالتالي تحقيق رفاهية شعوبها والمحافظة على مكانتها. فالبحث العلمي يساعد على إضافة المعلومات الجديدة ويساعد على إجراء التعديلات الجديدة للمعلومات السابقة بهدف استمرار تطورها ويفيد البحث العلمي في تصحيح بعض المعلومات عن الكون الذي نعيش فيه وعن الظواهر التي نحياها وعن الأماكن الهامة والشخصيات وغيرها* ويفيد أيضاً في التغلب على الصعوبات التي قد نواجهها سواء كانت سياسية أو بيئية أو اقتصادية أو اجتماعية وغير ذلك كما يفيد البحث العلمي الإنسان في تقصي الحقائق التي يستفيد منها في التغلب على بعض مشاكله، كالأمراض والأوبئة، أو في معرفة الأماكن الأثرية، أو الشخصيات التاريخية، أو في التفسير النقدي للآراء والمذاهب والأفكار* وفي حل المشاكل الاقتصادية والصحية والتعليمية والتربوية والسياسية وغيرها* ويفيد في تفسير الظواهر الطبيعية والتنبؤ بها عن طريق الوصول إلى تعميمات وقوانين عامة.
هذا ما يقودنا إلى طرح الإشكالية التالية: ماهية البحث العلمي؟ وما هي مناهجه؟ وما هي أهميته ؟














المبحث الأول: ماهية البحث العلمي

يعد البحث العلمي نشاط إنساني لا غنى لشعب عنه، به تتطور العلوم وتتقدم الأمم بواسطته. والبحث العلمي ضروريا لشتى أنواع العلوم، وكل تخصصاتها، الإنسانية والطبيعية والنظرية والتطبيقية. ولا نتصور أمة من الأمم أو جماعة من البشر، تسير على غير هدى ودون بحث يتسم بالعلمية والموضوعية، وتحقق ما ينبغي أن تحققه من التقدم والازدهار.
المطلب الأول: تعريف البحث العلمي
البحث العلمي هو نشاط إنساني لا غنى للفرد ولا للمجتمع عنه. والبحث يشير إلى الجهود المبذولة لاكتشاف معرفة جديدة أو لتطوير عمليات أو منتجات جديدة. ومهمة البحث هو التحقق من موضوع معين بصورة منتظمة أو منهجية[1] (http://www.ta3lime.com/#_ftn1).
وهذا النشاط يقوم على أساسٍ من التحقق والملاحظة الدقيقة وجمع البيانات وتحليلها بالطرق المناسبة. كما أنه يعتمد المقارنات والموازنات ودراسة الأسباب والمسببات والتعرف على أساليب العلاج، متجاوزا بذلك مرحلة التجربة والخطأ التي تكلف المجتمع كثيرا من جهده ووقته وموارده المتاحة، التي تتسم بالندرة مقابل الحاجات المتعددة للناس. وكثيرا ما يؤدي البحث في فرع من العلوم إلى تسهيل البحث في فرع آخر، إذ هناك ترابطا بين فروع العلوم المختلفة.
ولا ننظر هنا إلى العلم والبحث العلمي على أنه "مجموعة المعارف الإنسانية التي تشمل النظريات والقواعد والحقائق والقوانين التي كشف عنها الإنسان خلال رحلته الطويلة في الحياة"[2] (http://www.ta3lime.com/#_ftn2)، بل هو أي - البحث العلمي- نشاط متجدد، ذو حركة ديناميكية، بعيدة عن الجمود ومتصلة بالإنسان في نشاطه وحركته[3] (http://www.ta3lime.com/#_ftn3) مما يساهم في تنشيط الحركة العلمية بعيدا عن الكسل والخمول. والبحث العلمي هو محاولة جادة جاهدة لاكتشاف المعرفة والتنقيب عنها وتطويرها وفحصها.
ولعل البحث العلمي هو من أهم العوامل التي تميز الإنسان عن غيره من سكان هذا الكوكب. ولعل البعض يعرف الإنسان بأنه حيوان ناطق وآخرون بأنه حيوان متدين، وأقول أنه من المناسب تعريف الإنسان كذلك بأنه باحث علمي. فمن لا يعتمد منطق الحوار والبحث العلمي في حياته، فليس بأهل للانتماء إلى العنصر البشري.
هناك تعريفات متعددة للبحث العلمي، وقد عرض عبيدات ( 1998) مجموعة من التعريفات كالتالي:
يعرف (دالين) البحث العلمي بأنه "محاولة دقيقة ومنظمة ونافدة للتوصل إلي حلول لمختلف المشكلات التي تواجهها الإنسانية وتثير قلق وحيرة الإنسان.
ويعرفه بولنسكي"Polansky" بأنه استقصاء منظم يهدف إلي اكتشاف معارف والتأكد من صحتها عن طريق الاختبار العلمي.
ويعرفه (عاقل) بأنه البحث النظامي والمضبوط والتجريبي عن العلاقات المتبادلة بين الحوادث المختلفة.
أما Whitney ” “ فيعرفه بأنه "العمل الفعلي الدقيق الذي يؤدي إلي اكتشاف حقائق وقواعد عامة يمكن التأكد من صحتها"[4] (http://www.ta3lime.com/#_ftn4).
ويعرفه عبيدات ( 1998) بأنه: " مجموعة الجهود المنظمة التي يقوم بها الإنسان مستخدماً الأسلوب العلمي وقواعد الطريقة العلمية ، في سعيه لزيادة سيطرته على بيئة واكتشاف ظواهرها وتحديد العلاقات بين هذه الظواهر".
ويعرفه حمدان ( 1989) بأنه: "سلوك إجرائي واع يحدث بعمليات تخطيطية وتنفيذية متعددة للحصول على النتائج المقصودة"
ويعرفه آخرون بأنه جهد علمي يهدف إلي اكتشاف الحقائق الجديدة والتأكد من صحتها وتحليل الحقائق المختلقة.
وهذه التعريفات المختلفة تتفق فيما بينها وتشترك في النقاط التالية[5] (http://www.ta3lime.com/#_ftn5):
1. أنه سلوك إجرائي وأسلوب منهجي علمي.
2. يعتمد على منهجية علمية في جمع البيانات وتحليلها.
3. يهدف البحث العلمي لزيادة الحقائق التي يعرفها الإنسان ليكون أكثر قدرة على التكيف مع البيئة.
4. يختبر البحث العلمي المعارف التي يتوصل إليها قبل إعلانها بهدف التأكد منها.
5. البحث العلمي يشمل كل ميادين المعرفة ويعالج شتى أنواع المشاكل.
ويبين حمدان (1989) أن البحث العلمي بمنهجيته الهادفة المرسومة هو نظام سلوكي مثل أي نظام آخر يتكون من العناصر التالية:
1. مدخلات ممثلة في الباحث ومعرفته وأهدافه وفروضه ومجال عمله والبيانات المتوفرة أو التي يمكن جمعها.
2. العمليات وهي مكونة من منهجية البحث شاملة منهجية جمع البيانات ومنهجية تحليلها، والأساليب المختلفة المستخدمة في ذلك.
3. المخرجات، والمتمثلة في نتائج البحث العلمي، والحلول والتوصيات والاستنتاجات والتقرير النهائي المكتوب.
4. الضوابط التقييمية، وتشمل المؤشرات والمعايير التقييمية لكشف صلاحية البحث للمشكلة أو الظاهرة المبحوثة من قبل الباحث.
المطلب الثاني: أهداف وأهمية البحث العلمي
1-أهـداف البحث العلـمي
كما ذكرنا سابقاً فإن البحث العلمي نشاط إنساني يهدف إلي فهم الظواهر بالتعرف على الواقع، ودراسة العلاقات بين المتغيرات وبناء النماذج والعمل على التنبؤ بالمستقبل، ثم إيجاد الطرق المناسبة لضبط الظواهر أو التحكم بها وبناء عليه فقد ذكر (عبيدات وآخرون، 1998) ثلاث أهداف للبحث العلمي:
- الفهم، ونقصد به دراسة الواقع – وفهم الظاهرة موضوع البحث والتعرف على الظروف والعوامل المؤثرة فيها – وفهم العلاقات بين المتغيرات. إضافة إلى فهم قوانين الطبيعة وتوجيهها لخدمة الإنسان.
- التنبؤ، وهو من أهم أهداف العلم والبحث العلمي كما ذكر سابقا، ويشترط بالتنبؤ أن يكون مبنيا على أساس سليم بعيداً عن التخمين. والتنبؤ هو "عملية الاستنتاج التي يقوم بها الباحث بناءً على معرفته السابقة بظاهرة معينة، وهذا الاستنتاج لا يعتبر صحيحاً إلا إذا استطاع إثبات صحته تجريبياً.
- الضبط والتحكم، أي السيطرة على الظواهر والتدخل لحجب ظواهر غير مرغوب فيها، وإنتاج ظواهر مرغوب فيها. وهذا من أهم أهداف التخطيط المبني على البحث العلمي الصحيح.
- إيجاد الحلول للمشكلات المختلفة التي تواجه الإنسان في تعامله مع البيئة التي يعيش فيها.
- تطوير المعرفة الإنسانية في البيئة المحيطة بكافة أبعادها وجوانبها، في الطبيعة والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإدارة والاجتماع وخلافه.
2- أهمية البحث العلمي
للبحث العلمي أهمية فائقة في حياتنا. فهو يساعد في فهم وتوضيح الظواهر المحيطة بنا، ويعمل على تفسيرها وإيجاد الحلول للمشاكل المختلفة التي تواجه الإنسان. كما يسعى البحث العلمي إلى اكتشاف الحقائق والعمل على تطبيقها للاستفادة منها في حياتنا العامة. ويمكن ذكر أهمية البحث العلمي في النقاط التالية:
- يفتح البحث العلمي آفاقاً واسعة أمام الباحث لاكتشاف الظواهر المختلفة، في مجال العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، بالاعتماد على مصادر المعلومات والبيانات الأولية والثانوية. وقد أنشأت الدول المتقدمة مراكز للأبحاث والدراسات (الرفاعي، 1998).
- البحث العلمي هي الوسيلة التي تستطيع المجتمعات بواسطتها اجتياز العقبات، والتخطيط للمستقبل وتفادي الأخطاء. ولذلك فإننا نجد الدول النامية تستخدم البحث العلمي لتقليص الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة.
- البحث العلمي ضروري لجميع الفئات من مدرسين وطلاب ومتخصصين في المجالات المختلفة، حيث يساهم في اعتماد البحث كمبدأ في حل المشكلات.
المطلب الثالث:خصائص البحث العلمي ومعوقاته
1- خصائص البحث العلمي
يتميز البحث العلمي بمجموعة من الخصائص، وقد ذكر العديد من الكتاب عدد من هذه الخصائص، ونتعرض هنا لأهم هذه الخصائص (بوحوش وذنيبات، 1989؛ الرفاعي، 1998):

1-1 الموضوعية Objectivity
حيث تتم خطوات البحث العلمي كافة بشكل موضوعي غير متحيز، بعيداً عن الآراء الشخصية والأهواء الخاصة والتعصب لرأي محدد مسبقا. ولا يمكن إثبات الشيء ونقيضه في نفس الوقت. والموضوعية في البحث العلمي تمنع من الوصول إلى نتائج غير علمية.
ولعلنا نذكر هنا مثالا يوضح أهمية الموضوعية في البحث العلمي. قامت كل من شركات صناعة السجائر ووزارة الصحة بدراسة أثر التدخين على نوع معين من أمراض السرطان. وكانت النتيجة متناقضة تماما بما يشعر بعدم الموضوعية. فشركات صناعة السجائر وجدت أنه لا توجد علاقة معنوية بين التدخين والإصابة بمرض السرطان، في حين وجدت وزارة الصحة أن العلاقة قوية وتكاد تكون كاملة ولا يمكن إهمالها.
والسبب بكل بساطة يرجع إلى التحيز وعدم الموضوعية في البحث وخاصة في هذه الحالة في اختيار عينة الدراسة. والتحيز في الدراسة عموما ليس من خواص الباحث الناجح ولا الباحث المثالي.
1-2 القدرة الاختبارية:Accuracy and Testability واستخدام الفروض في البحث:
أو هي القابلية لإثبات نتائج البحث العلمي (verification). حيث تكون الظاهرة أو المشكلة موضوع البحث قابلة للاختبار والقياس. وتعني كذلك إمكان جمع المعلومات اللازمة للاختبار الإحصائي للتأكد من صحة الفروض. فمن السهل على الباحث أن يختار موضوعا جذابا يلقى القبول من المشرف أو الجامعة، في حين لا تتوفر لهذا البحث القدرة على اختبار الفروض أو القدرة على تحقيق الأهداف.ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ضعف توفر البيانات، أو ضعف القدرة على التحليل، أو عدم توفر البرامج الإحصائية المناسبة للتحليل، أو غير ذلك من الأسباب.
1-3 إمكانية تكرارية النتائج،Replicability مع القابلية للتعميم (generalization).
حيث يمكن الحصول على نفس النتائج تقريباً إذا تم اتباع نفس المنهجية العلمية وخطوات البحث مرة أخرى وفي نفس الشروط. كما أنه يمكن تعميم النتائج على الحالات المشابهة في نفس البلد أو غيره. وبدون القدرة على التعميم، يصبح البحث العلمي أقل أهمية وأقل فائدة. كما أن القدرة على التعميم تساهم في الاستفادة من البحث بدرجة قصوى في المجالات المختلفة.
1-4 التبسيط والاختصار : Parsimony
أي التبسيط المنطقي في المعالجة والتناول المتسلسل للأهم ثم الأقل أهمية. وأي تعقيد في الأسلوب أو التحليل لا يخدم البحث يعتبر زائدا في الدراسة. ولا نقصد بذلك عدم اللجوء إلى التحليل العميق واستخدام النماذج القياسية لدراسة العلاقات، بل نعني أن يتم استخدام النماذج طالما لزم الأمر، وطالما لا يمكن الاستغناء عنها بما هو أكثر سهولة ويؤدي نفس الغرض.
1-5 أن يكون للبحث العلمي غاية أو هدف من وراء إجرائه. فيسعى الباحث إلى التحقق من فروض البحث التي تحقق الأهداف. فلا يسير الباحث على غير هدى أو يتخبط دونما دليل.
1-6 استخدام نتائج البحث لاحقاً في التنبؤ بحالات ومواقف مشابهة (predictability – forecasting).
ومن أهم أهداف البحث القدرة على التنبؤ باستخدام النتائج التي تم التوصل إليها. وتكون القدرة على التنبؤ أكبر في البحوث الكمية والبحوث التي تستخدم النماذج الرياضية والقياسية. ومن هنا تنبع أهمية النماذج في البحوث الدقيقة، لما لها من القدرة الكبيرة على التنبؤ بالمستقبل في مجال البحث.
ومن مجالات التنبؤ في البحث، ما يتعلق بالتنبؤ بحجم الطلب مثلا على سلعة ما، أو التنبؤ بالقدرة التسويقية لعدد من السلع بالاعتماد على التنبؤ بالنمو السكاني أو التنبؤ بالاستيراد أو التصدير المتوقع للسنوات موضع الدراسة.
1-7 يمتاز المنهج العلمي بالمرونة (flexibility) حتى يلائم المشاكل المختلفة، ويتمكن من علاج وبحث الظواهر المتباينة قصد معالجته ونطويره.
1-8 إن لكل حادثة أسباب تؤدي إلي ظهورها، ولا يتصور التفكير العلمي أن شيئاً ما ينتج صدفة أو دونما أسباب. وهذا الاعتقاد يدفع الباحث باستمرار، إلى البحث عن الأسباب المؤدية إلى الظاهرة موضوع الدراسة، ويسعى لعلاجها من خلال أسبابها. وهذا الشعور يحدد منهجية البحث ويوجهه في الطريق الصحيح.


2- عـوائق البحث العلمي
ورغم الأهمية الكبرى للبحث العلمي فإننا نجد أن هناك العديد من المعوقات التي تواجه البحث العلمي عموما. وقد ذكر عطوي (2000) بعض هذه العوائق منها:
2-1 انتشار الفكر الأسطوري الخرافي وتفسير الظواهر بفكر الأسطورة. وعدم الجرأة على تحدي مثل هذه الأفكار. ومن ذلك الاهتمام بالسحر والتنجيم وقراءة الحظ والأبراج وتحضير الأرواح وما شابه. إن انتشار مثل هذه الروح، وتغلغل هذه الأفكار في المجتمع تعتبر أكبر العوائق أما البحث العلمي.
2-2 الالتزام بالأفكار الذائعة، مثل القول أن السبب في تأخر الفلسطينيين هو الاحتلال. أو القول أن السبب الأساسي في الفقر والبطالة هو النمو والازدحام السكاني. وقد يكون السبب في قبول الأفكار الشائعة هو القول أنه لولا صحتها لما انتشرت. غير أن هذه الأفكار وغيرها تحتاج إلى الاختبار والتمحيص قبل قبولها.
2-3 إنكار قدرة العقـل على التحليل والحجر عليه بالعادات والتقاليد التي لا يمكن المساس بها، مثل ما يتعلق بمسائل الحجاب والاختلاط بين الجنسين، وغيره من المسائل التي يوجد فيها بعض الخلافات الفقهية وتفرض العادات والتقاليد نظرة معينة.
وقد ذكر حمدان (1989) مجموعة صعوبات للبحث العلمي في الدول النامية ومن ذلك:
2-4 البحث للمال أو للسلطة: وهو بحث مأجور لا يهدف لخدمة الوطن ولا لرفعة المواطن. بل يهدف للوصول لغايات تافهة مؤقتة كحفنة من المال أو تحقيقا لحاجة السلطة. وفي هذه الحالة يتصف الباحث بالنفاق والرياء والبعد عن الموضوعية، ومن هنا نشأ مصطلح علماء السلطان، ونشأة عدم الثقة في مثل هؤلاء العلماء ولا في بحوثهم.
2-5 التهاون في تقييم وقبول البحث العلمي: بسبب قلة المتخصصين المؤهلين، أو تدخل الأهواء عند النشر، أو عند اعتماد الترقيات الأكاديمية.
2-6 الإهمال في تنفيذ البحث العلمي: ويرجع السبب في ذلك إلى انعدام الكفاءة، أو انعدام التمويل، أو لزحمة العمل الإداري الإجرائي. وقد يكون السبب هو الاكتفاء بالورقة والشعور بالكمال العلمي ومن ثم التوقف عن البحث وحتى التوقف عن القراءة.
2-7 الإهمال في تطبيق نتائج البحث العلمي: حيث يتم وضع البحوث العلمية على الأرفف أو في الأدراج، استهانة بقيمتها، أو تهميشا للباحثين، أو لأسباب أخرى.



المبحث الثاني: المنـهج الوصـفي Descriptive Methodology
هناك طرق وأساليب متعددة يمكن استخدامها في البحث العلمي، وتتنوع أساليب البحث تبعا لتنوع الظواهر التي يبحثها الإنسان. ويقصد بمنهج البحث العلمي هو الأسلوب الذي يستخدمه الباحث في دراسة ظاهرة معينة والذي من خلاله يتم تنظيم الأفكار المتنوعة بطريقة تمكن من علاج مشكلة البحث. ويهدف استخدام المناهج العلمية إلى توسيع آفاق المعرفة العلمية حول مختلف مجالات الاهتمام من قبل الباحثين في العالم وذلك لأسباب من أهمها تطور الحياة الإنسانية لبني البشر في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية وغيرها (زويلف والطراونة، 1997). ويشتمل هذا الفصل على أهم أنواع مناهج البحث العلمي وهي المنهج الوصفي والمنهج التجريبي والمنهج التاريخي والمنهج الاستقرائي والاستنباطي.
ويشمل المنهج الوصفي على: الدراسات المسحية ودراسات الروابط والعلاقات المتبادلة. وتتكون الدراسات المسحية من المسح الاجتماعي، دراسات الرأي العام، تحليل العمل، تحليل المضمون. وتشمل دراسات الروابط والعلاقات المتبادلة على منهج دراسة الحالة، الدراسات العلمية المقارنة والدراسات الارتباطية.
المطلب الأول: المنهج الوصفي Descriptive Methodology
1- تعريف المنهج الوصفي Descriptive Methodology
يمكن تعريف المنهج الوصفي بأنه أسلوب من أساليب التحليل المرتكز على معلومات كافية ودقيقة عن ظاهرة أو موضوع محدد عبر فترة أو فترات زمنية معلومة وذلك من أجل الحصول على نتائج عملية تم تفسيرها بطريقة موضوعية تنسجم مع المعطيات الفعلية للظاهرة (عبيدات وعدس وعبد الحق، 1982). وهناك من يعرفه بأنه "طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته من خلال منهجية علمية صحيحة وتصوير النتائج التي يتم التوصل إليها على أشكال رقمية معبرة يمكن تفسيرها" ( عريفج، وحسين، ونجيب، 1987، ص ص 131-132). وهناك تعريف آخر للمنهج الوصفي وهو "محاولة الوصول إلى المعرفة الدقيقة والتفصيلية لعناصر مشكلة أو ظاهرة قائمة، للوصول إلى فهم أفضل وأدق أو وضع السياسات والإجراءات المستقبلية الخاصة بها" (الرفاعي، 1998، ص122).
ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد منهج مثالي يوصى باستخدامه عند القيام بالبحوث والدراسات. فإذا أراد الباحث دراسة الدوافع الاستعمارية للحملة الصليبية على العالم العربي، فانه بحاجة إلى استخدام المنهج التاريخي، وإذا كان البحث يهدف إلى دراسة السلوك الشرائي للمستهلك في قطاع غزة وردود فعلهم تجاه المنتجات الوطنية فهذا يتطلب استخدام ما يسمى بمنهج دراسة الحالة، والذي يعتبر جزءا من المنهج الوصفي. وإذا أراد الباحث أن يقيس أثر تدريب رجال البيع على أدائهم البيعي، فهذا ربما يتطلب استخدام المنهج التجريبي من خلال تثبيت العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر على أداء رجال البيع ثم تقديم البرامج التدريبية المناسبة والقيام بعد ذلك بالقياس والتقييم للتعرف على حجم التغير الحاصل على أداء رجال البيع. وإذا أراد الباحث دراسة سمات التخطيط الاستراتيجي لدى المدير العربي فانه سيستخدم المنهج الوصفي للتعرف على هذه السمات.
ويعتبر المنهج الوصفي من أنسب المناهج وأكثرها استخداما في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية مثل دراسة السلوك الإداري، ومعوقات البحث العلمي، وظاهرة تعثر الشركات، ودراسة سلوك الطفل. ويمكن استخدام المنهج الوصفي في دراسة الظواهر الطبيعية مثل وصف الظواهر الفلكية والبيولوجية.
ويستخدم الباحث المنهج الوصفي في ظل وجود معرفة مسبقة ومعلومات كافية حول الظاهرة موضع الدراسة. فمن خلال الدراسات السابقة يتمكن الباحث من تحديد مشكلة الدراسة والفرضيات ثم يعمل على جمع المعلومات الأولية والثانوية المناسبة من أجل صياغة الفرضيات واختبارها وهذا يساعد في تحليل وتفسير أكثر للظاهرة والوقوف على دلالاتها. ويرتقي المنهج الوصفي لمرتبة الأسلوب العلمي لأن فيه تفسير وتحليل للظاهرة وعمق في النتائج وهذا يساعد في التوصل إلى قانون علمي أو نظرية. ويتسم المنهج الوصفي بالواقعي لأنه يدرس الظاهرة كما هي في الواقع ويستخدم مختلف الأساليب المناسبة من كمية وكيفية للتعبير عن الظاهرة وتفسيرها من أجل التوصل إلى فهم وتحليل الظاهرة المبحوثة. فالتعبير الكمي يعطينا وصفا رقميا يوضح فيه مقدار الظاهرة أو حجمها ودرجه ارتباطها بالظواهر الأخرى، أما التعبير الكيفي فيصف لنا الظاهرة ويوضح خصائصها (الرفاعي، 1998).
2- خطوات المنهج الوصفي
كما ذكرنا سابقا، المنهج الوصفي أسلوب علمي يستخدم في إعداد البحوث العلمية وله خصوصياته، ويستخدم بكثرة في دراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية. ويمكن حصر خطوات استخدام المنهج الوصفي مع مثال تطبيقي كما يلي (عبيدات وعدس وعبد الحق، 1998):
- الإحساس بالمشكلة وجمع البيات والمعلومات التي تساعد على تحديدها. مثل شعور أحد الأكاديميين العاملين في كلية التجارة في إحدى الجامعات الفلسطينية بوجود قدر محدود من الإنجازات البحثية لمدرسي كليات التجارة، ولمس من خلال الحوار والسماع للأكاديميين أن هذه المشكلة قائمة وتحتاج إلى تفسير.
- تحديد المشكلة المراد دراستها ويفضل أن يتم صياغتها في شكل سؤال. حيث يمكن صياغة مشكلة البحث في السؤال التالي: ما هي أسباب ضعف ومحدودية الإنجازات البحثية لمدرسي كليات التجارة في الجامعات الفلسطينية؟
- صياغة فروض الدراسة والتي يمكن أن تجيب عن سؤال البحث بصورة مؤقتة ومن ثم يبدأ الباحث بجمع المعلومات عنها إلى أن يتم إثباتها أو دحضها. ويمكن صياغة الفروض على النحو التالي:
الفرضية الأولى: توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين أعضاء هيئة التدريس عند مستوى دالة 0.05 حول المعوقات المتعلقة بتوفر المعلومات تعزى إلى عامل المؤسسة التي يعمل فيها.
الفرضية الثانية: توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين أعضاء هيئة التدريس عند مستوى دالة 0.05 حول تقدير درجه الصعوبات التي تواجههم والتي ساهمت في ضعف البحث العلمي تعزى إلى المعوقات الإدارية والمالية في الجامعة.
الفرضية الثالثة: توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين أعضاء هيئة التدريس عند مستوى دالة 0.05 في تقدير درجه المعوقات المتعلقة بالنشر والتي ساهمت في ضعف البحث العلمي تعزى للدرجة الأكاديمية.
- اختيار العينة التي ستجرى عليها الدراسة وتحديد حجمها ونوعها. قد يقوم الباحث باختيار عينة طبقية عشوائية من مختلف كليات التجارة في جامعات قطاع غزة مكونة من الأكاديميين حملة الماجستير والدكتوراة، ويبلغ حجم العينة 50 فرد أي ما يعادل 80% من المجتمع الأصلي لمدرسي كليات التجارة.
- اختيار أدوات جمع البيانات والمعلومات المناسبة كالمقابلة والاستبيان والملاحظة والقيام بجمع المعلومات المطلوبة بطريقة منظمة. حيث يختار الباحث الأداة التي تناسب طبيعة المشكلة والفروض، ثم يعمل على حساب مدى صدق وثبات الأداة المختارة. وتكملة لمثالنا المذكور، يمكن أن يستخدم الباحث الاستبيان في جمع البيانات الميدانية من عينة البحث ثم يستخدم البرنامج الإحصائي SPSS للتأكد من صدق وثبات الاستبيان، ثم يقوم الباحث بتحديد نوع البيانات هل هي معلمية تتبع التوزيع الطبيعي أم غير معلمية لا تتبع التوزيع الطبيعي ومن ثم اختيار الاختبارات الإحصائية المناسبة لقياس العلاقات والفروق بين مختلف المتغيرات لاختبار فروض الدراسة.
- يقوم الباحث بكتابة النتائج وتفسيرها ويختبر الفروض ويقدم عدد من التوصيات لعلاج ضعف ومحدودية الإنجازات البحثية في كليات التجارة في الجامعات الفلسطينية. وعند بدء مرحلة اختبار الفروض ومناقشتها لا بد من الرجوع إلى أدبيات الدراسة والى الدراسات السابقة للتعرف على مدى اتفاق نتائج البحث مع نتائج البحوث السابقة والعمل على تفسير أسباب الاتفاق أو الاختلاف.

3- مزايا المنهج الوصفي وعيوبه
أ) المزايا
1- يساعد المنهج الوصفي في إعطاء معلومات حقيقية دقيقة تساعد في تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية.
2- اتساع نطاق استخدام المنهج الوصفي لتعدد الطرق المتاحة أمام الباحث عند استخدام المنهج الوصفي، مثل أسلوب المسح، أو تحليل العمل، أو الدراسات المقارنة، أو تحليل المضمون.
3- يقدم المنهج الوصفي توضيحا للعلاقات بين الظواهر، كالعلاقة بين السبب والنتيجة، بما يمكن الإنسان من فهم الظواهر بصورة أفضل.
4- يتناول المنهج الوصفي الظواهر كما هي على الواقع دون تدخل من قبل الباحث في التأثير على مسارها، مما يعطي نتائج أكثر واقعية.


ب) العيوب
1- قد يستند البحث الوصفي إلى معومات مشوهه ولا تستند إلى الواقع سواء كانت عن قصد من قبل الباحث أو غير قصد. كأن تكون الوثائق والسجلات المستخدمة غير دقيقة مثلا.
2- هناك احتمال تحيز الباحث لآرائه ومعتقداته، فيأخذ البيانات والمعلومات التي تنسجم مع تصوره ويستبعد التي تتعارض مع رأيه، وهذا راجع إلى أن الباحث يتعامل دائما مع ظواهر اجتماعية وإنسانية غالبا ما يكون طرفا فيها.
3- غالبا ما يستخدم الباحث مساعدين عند القيام بالدراسات الوصفية وذلك من أجل جمع البيانات والمعلومات، فصدق وانسجام هذه البيانات يعتمد على مدى فهم المساعدين لأهداف البحث.
4- صعوبة إثبات الفروض في البحوث الوصفية لأنها تتم عن طريق الملاحظة وجمع البيانات المؤيدة والمعارضة للفروض دون استخدام التجربة في إثبات هذه الفروض. فالباحث في الدراسات الوصفية قد لا يستطيع ملاحظة كل العوامل المحيطة بالظاهرة، مما يعيقه في إثبات الفروض.
5- هناك صعوبة التنبؤ في الدراسات الوصفية وذلك لأن الظواهر الاجتماعية والإنسانية تتصف بالتعقيد، وذلك لتعرضها لعوامل عدة.

المطلب الثاني: المنهج التاريخي Historical Methodology
1- تعريف المنهج التاريخي
يمكن القول بأن المنهج التاريخي يقوم على الملاحظة للظواهر المختلفة والربط بينها لتكوين فكرة عامة عن التقدم الذي أحرزته المجتمعات ثم تقييم الفترات الزمنية والظواهر لمعرفة الاتجاهات العامة السياسية والدينية والاقتصادية للمجتمع (زويلف والطراونة، 1998).
يستخدم المنهج التاريخي في دراسة ظواهر حدثت في الماضي حيث يتم تفسيرها بهدف الوقوف على مضامينها والتعلم منها ومعرفة مدى تأثيرها على الواقع الحالي للمجتمعات واستخلاص العبر منها (زويلف والطراونة، 1997). والمنهج التاريخي مستمد من دراسة التاريخ حيث يعمل الباحث على دراسة الماضي وفهم الحاضر من أجل التنبؤ بالمستقبل. والمنهج التاريخي يدرس الظاهرة القديمة من خلال الرجوع إلى أصلها فيصفها ويسجل التطورات التي طرأت عليها ويحلل ويفسر هذه التطورات استنادا إلى المنهج العلمي في البحث الذي يربط النتائج بأسبابها (عبيدات وعدس وعبد الحق، 1998). والتاريخ معمل للعلوم الاجتماعية حيث ينمي معرفة الباحث ويثري أفكاره في الإنسان والمجتمع. ويعتبر ابن خلدون أول من اتبع المنهج التاريخي في مقدمته في القرن الرابع عشر (رشوان، 1987).
2- مصادر المعلومات للبحث التاريخي
يستخدم البحث التاريخي المصادر الأولية والمصادر الثانوية وهي كالآتي (عبيدات وعدس وعبد الحق، 1998؛ زويلف والطراونة، 1998):
أولا المصادر الأولية Primary Sources:
وتشمل السجلات والوثائق والآثار وإجراء مقابلات مع شهود العيان.
1- السجلات والوثائق
يرجع البحث التاريخي إلى السجلات الرسمية المكتوبة والشفوية فيدرس الباحث الوثائق والملفات والقوانين والأنظمة التي كانت سائدة في الفترة الزمنية موضع الدراسة. كذلك يمكن الرجوع إلى تحليل مضامين المخطوطات والمذكرات التي قد تكون محفوظة في المكتبات.
2- الآثار:
تعتبر الآثار مصدرا مهما في البحوث التاريخية، فالآثار تبقى خالدة ومعبرة عن تلك الحقبة الزمنية أمثال الأهرامات وما عليها من نقوش وكتابات وقلعة برقوق في خان يونس والتي توحي إلى الحقبة المملوكية في غزة. كذلك دراسة طراز المباني القديمة أو الأدوات القديمة والملابس لتلك الحقبة ستكشف الكثير عن مظاهر الحياة السائدة.
3- إجراء المقابلات مع شهود العيان الذين عايشوا الظاهرة موضع الدراسة، مثال كتابة التاريخ الشفوي الفلسطيني حول العادات والتقاليد وأنماط المعيشة التي كانت سائدة فترة ما قبل 1948، أو الكتابة حول القرى الفلسطينية التي دمرت من قبل إسرائيل في حرب 1948 من خلال إجراء مقابلات مع من سكنوا وعايشوا التدمير في تلك الحقبة.

ثانيا: المصادر الثانوية Secondary Sources:
وهي مصادر مستمدة من المصادر الأولية. فمثلا يمكن أن تطلع على كتابا يكتب عن ظروف اندثار آثار معينة أو صرح تاريخي لم يعد قائما. وعلى الباحث الموازنة في استخدام المصادر الأولية والثانوية، ولكن غالبا تفضل المصادر الأولية إلا إذا كانت المصادر الثانوية معروضة بشكل مبوب من قبل مختص. وأهم المصادر الثانوية التاريخية ما يلي:
1- الرجوع إلى الصحف والمجلات التي كتبت وغطت الظاهرة التاريخية المبحوثة. وتعبر الصحف عن مدى اهتمام المجتمع بأحداث معينة، وتزداد أهمية الصحف والمجلات إذا كانت غير مقيدة من قبل الدولة أو لا تخدم اتجاه معين.
2- الرجوع إلى المذكرات والسير الذاتية لبعض الأشخاص الذين عايشوا تلك الحقبة الزمنية المدروسة، وهذا قد يمكن الباحث من الكشف عن بعض جوانب هامة من الظاهرة أو المشكلة التي يدرسها.
3- الرجوع للدراسات السابقة التي تمت في الماضي والتي تناولت الأحداث التي يدرسها الباحث، حيث يمكن الرجوع إليها واستخلاص المعلومات التي تفيد الباحث في معالجة مشكلة الدراسة. وتزداد أهمية الدراسات السابقة إذا كانت تعتمد على مصادر أولية.
4- يمكن أن يلجأ الباحث إلى الكتابات الأدبية والأعمال الفنية في جمع المعلومات عن مشكلة بحثه، فهذه الكتابات تظهر الكثير من الحقائق والأحداث والمواقف المتصلة بموضوع البحث.
5- تسجيلات الإذاعة والتلفزيون وأشرطة السينما والفيديو.
6- النشرات والكتب والدوريات والرسومات التوضيحية والخرائط.

3- خطوات منهج البحث التاريخي:
يمكن حصر خطوات القيام بالبحث التاريخي في خمس خطوات وهي كالآتي (زويلف والطراونة، 1998؛ بو حوش والذنيبات، 1989؛ عبيدات وعدس وعبد الحق، 1998):
أولا: الشعور بالمشكلة وتحديدها:
فعلى الباحث أن يراعي عند اختيار المشكلة موضع الدراسة امتدادها التاريخي بحيث يكون لها صفة الاستمرار والدوام النسبي بما يمكن من تعقب الظاهرة والتعرف على مراحل تطورها. وعادة يستقي الباحث مشكلة الدراسة من ميدان تخصصه ومن خلال إطلاعه على الدراسات السابقة.
ثانيا: جمع البيانات والمعلومات:
بعد الشعور بالمشكلة واختيار موضوع البحث يقوم الباحث بجمع البيانات والمعلومات من مصادرها الثانوية والأولية المذكورة أعلاه.
ثالثا: تحليل المصادر ونقدها.
يتضح من مصادر المعلومات التاريخية أنها في معظمها مصادر غير مباشرة وقديمة وهذا يضفي شكوكا حول دقتها وصدقها. فعلى معدي الدراسات التاريخية أن يستخدموا أساليب النقد والتحليل للمصادر المستخدمة للتأكد من صدقها وأصالتها. وقد تتعرض المصادر التاريخية إلى أخطاء مقصودة أو تحريفات هادفة بسبب التأثر من قبل سلطة ما لخدمة وجهة نظر فئة ما، كما أن الأشخاص قد يدلون بشهاداتهم من خلال وجهات نظرهم في الأحداث. ويتطلب نقد المصادر الإجابة على الأسئلة التالية:
1- هل كتبت الوثائق والسجلات بعد الحادث مباشرة أم بعد مرور فترة من الزمن؟
2- هل هناك أدلة على تحيز كاتب الوثيقة؟
3- هل كان الكاتب في صحة جيدة في أثناء كتابة الوثيقة؟
4- هل كانت هناك حرية التعبير والكتابة في فترة كتابة الوثيقة أو السجلات؟
5- هل هناك تناقض في محتويات السجلات والتقارير؟
6- هل تتفق الوثيقة في معلوماتها مع وثائق أخرى صادقة.
وينقسم نقد المصادر إلى نوعين:
1- النقد الخارجي:
يتعلق بشكل الوثيقة والتأكد من صلتها بعصرها وانتسابها إلى مؤلفها. ويتعلق النقد الخارجي بالإجابة على الأسئلة التالية:
- هل كتبت الوثيقة بخط صاحبها أم بخط آخر.
- هل كتبت الوثيقة بلغة العصر الذي تنتسب إليه أم تتحدث بلغة ومفاهيم أخرى.
- هل كتبت الوثيقة على ورق حديث أم على مواد مرتبطة بالعصر الذي تنتسب إليه.
- هل تتحدث الوثيقة عن أشياء لم تكن معروفة في ذلك العصر.
- هل هناك تغيير أو تشطيب أو إضافات في الوثيقة.
- هل يعتبر المؤلف مؤهلا للكتابة في موضع الوثيقة.
2- النقد الداخلي:
ويقصد به تقييم محتوى الوثيقة والتأكد من دقتها. والنقد الداخلي نوعان:
1- تحليل ايجابي: ويقصد به فهم المعنى الحقيقي الذي ترمي إليه الألفاظ والعبارات الواردة في المصدر، مثل فهم قصد المؤلف لمعنى كلمة حائط هل يقصد الجدار أم البستان.
2- تحليل سلبي: ويقصد به التعرف على مدى موضوعية الكاتب من خلال الإجابة على الأسئلة التالية:
- هل لكاتب الوثيقة مصلحة في تضليل القارئ؟
- هل كان موضوعيا وصادقا؟
- هل شوه الحقائق؟
- هل شاهد الحادثة أم سمع عنها؟
رابعا: صياغة الفروض وتحقيقها
لا يمكن إجراء بحث علمي بدون فروض. ولا تختلف البحوث التاريخية عن غيرها من البحوث الأخرى في حاجتها إلى صياغة الفروض الضرورية لتفسير المشكلة ولتوجيه الباحث إلى جمع البيانات والمعلومات الضرورية لفهم الظاهرة. وتتطلب الفروض في البحوث التاريخية مهارة فائقة وخيال واسع من قبل الباحث لأنه يدرس ظاهرة وقعت في الماضي. ويقوم الباحث بجمع المادة العلمية وفقا لنظام معين زمني أو جغرافي أو موضوعي أو مزيج من هذه النظم. ويعتبر حصول الباحث على المعلومات ونقدها وتحليلها بمثابة إثبات للفروض والتحقق منها.
خامسا: استخلاص النتائج وكتابة التقرير
بعد أن يتم الانتهاء من جمع البيانات والمعلومات وتحليلها وتقييمها والتوصل إلى إثبات صدق الفروض بعد إجراء التعديلات الضرورية عليها يخلص الباحث إلى النتائج ثم يقوم بكتابة التقرير النهائي ملتزما بمواصفات البحث العلمي من الترتيب والتنميط والتوثيق والصياغة السليمة وغيرها.
4 - أهمية البحث التاريخي:
لا تتوقف أهمية الدراسات التاريخية على فهم الماضي بل تساعد في فهم الحاضر وقراءة المستقبل. ومن أهم فوائد القيام بالبحوث التاريخية ما يلي (عبيدات وعدس وعبد الحق، 1998):
1- تساعد البحوث التاريخية في معرفة أصول النظريات العلمية وظروف نشأتها، وهذا يساعد في إيجاد الروابط بين الظواهر الحالية والماضية ورد الظواهر الحالية إلى جذورها التاريخية.
2- تساعد البحوث التاريخية في التعرف على المشاكل التي واجهت الإنسان في الماضي والعوائق التي حالت دون علاجها.
3- تساعد البحوث التاريخية في إيجاد العلاقة بين الظواهر المدروسة وبين البيئة التي أدت إلى نشوئها سواء بيئة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعها أو ثقافية.

المطلب الثالث: المنهج التجريبي Experimental Methodology
لا يعتمد المنهج التجريبي فقط على مبادىء الفكر وقواعد المنطق بل يتعدى ذلك إلى القيام بالتحكم في الظاهرة وإجراء بعض التغييرات على بعض المتغيرات ذات العلاقة بموضع الدراسة بشكل منتظم من أجل قياس تأثير هذا التغير على الظاهرة (الرفاعي، 1998). ويقوم المنهج التجريبي على تثبيت جميع المتغيرات التي تؤثر في مشكلة البحث باستثناء متغير واحد محدد تجري دراسة أثرة في هذه الظروف الجديدة. وهذا التغيير والضبط في ظروف الواقع يسمى بالتجربة. ويتميز المنهج التجريبي عن غيرة من باقي المناهج في أن الباحث يتدخل في الظاهرة المدروسة ويؤثر ويتحكم في المتغيرات من أجل قياس أثرها الدقيق على المشكلة. ويعتبر المنهج التجريبي الأسلوب الذي تتمثل فيه معالم الطريقة العلمية الحديثة بالشكل الصحيح. وتعتبر التجربة هي أحد الطرق التي يمكن أن تستخدم في المشاهدة العلمية للظواهر والتي يمكن للباحث بواسطتها جمع البيانات عن تلك الظواهر لفهم سلوكها والتنبؤ بها. وتعتبر التجربة من أنسب الأساليب لاختبار فروض نظرية يكون الباحث قد صاغها من مشاهداته. ويعتبر القيام بالتجارب على الظواهر في معظمها تفسيري أكثر منه وصفي للظواهر المبحوثة (معلا، 1994).
1- مرتكزات المنهج التجريبي:
يمكن تحديد مرتكزات المنهج التجريبي في خمس عناصر وهي كالتالي (الرفاعي، 1998):
- العامل التجريبي أو المستقل وهو العامل الذي يتم قياس أثرة على المتغير التابع (مشكلة الدراسة) ومتابعة نتائج تغيره.
- العامل التابع أو مشكلة الدراسة، وهو العامل الذي يعتمد على ويتأثر بالمتغير المستقل.
- المتغيرات المتداخلة: وهى المتغيرات المستقلة الأخرى التي يمكن أن تؤثر على المتغير التابع أثناء التجربة وليس المتغير التجريبي، لذا يفترض أن يتم ضبط هذه المتغيرات أثناء القيام بالتجربة.
- الضبط والتحكم: وتعني تثبيت كافة الآثار الجانبية للمتغيرات المتداخلة من خلال الخطوات التالية:
أ‌- عزل المتغيرات: عند قيام الباحث بدراسة أثر عامل معين مثل ارتفاع سعر صرف الدولار على التصدير من فلسطين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لا بد أن يقوم الباحث بتثبيت وعزل العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر على حجم التصدير مثل الضرائب، القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية، الخبرة الفلسطينية في التصدير وغير ذلك من العوامل الأخرى، وذلك لمعرفة أثر ذلك المتغير على سلوك الظاهرة المبحوثة.
ب‌- التحكم في مقدار التغير في العامل التجريبي: وهنا يتحكم الباحث في حجم التغير الحاصل في العامل التجريبي بالكمية والقيمة وتحديد النتائج بناءا على ذلك.
- مجموعات الدراسة: وتعرف على أنها المجموعات المكونة للظاهرة موضع الدراسة.وهناك عدة طرق لاستخدام نظام المجموعات:
أ‌- طريقة المجموعة الواحدة:
ترتكز هذه الطريقة على تجريب تأثير عامل تجريبي واحد على أداء المجموعة موضع الاهتمام. وعادة يكون اختبار سابق واختبار لاحق لمجموعة الدراسة ويتم إجراء المقارنة بين النتائج من أجل التعرف على أثر المتغير التجريبي على مجموعة الدراسة، وما ينتج من فروق بين نتائج القياس السابق ونتائج القياس اللاحق يمكن أن يعزى إلى التغير في العامل التجريبي.
مثال يمكن إجراء التجربة لقياس أثر تدريب رجال البيع (العامل التجريبي) على حجم المبيعات في شركة ما (المتغير التابع). فيمكن أن تبدأ التجربة من خلال قياس مستويات الأداء البيعي لمجموعة من رجال البيع في الشركة (الاختبار السابق) ثم يتم تدريبهم على أساليب بيعية مناسبة (المجموعة التجريبية)، وبعد الانتهاء من التدريب وممارسة البيع يتم قياس أدائهم، وما يتم إيجاده من فروقات في مستوى الأداء قبل وبعد التدريب يمكن أن يعزى إلى أثر التدريب. وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة ضبط كافة العوامل الأخرى المحيطة بعمل رجال البيع التابعين للشركة إذا ما أريد الحصول على نتائج دقيقة للتجربة. ومن عيوب هذه الطريقة هو أن التغيرات على العامل التابع قد تكون راجعة لعوامل أخرى إضافة للمتغير التجريبي. وتناسب هذه الطريقة التجارب القصيرة والحالات التي يكون فيها للعامل التجريبي تأثير واضح وملموس.
ب‌- طريقة المجموعتين المجموعة الضابطة والمجموعة التجريبية:
حسب هذه الطريقة يقوم الباحث بإجراء الدراسة على مجموعتين متجانستين، فيقوم بتعريض إحدى المجموعات للعامل التجريبي وتسمى بالمجموعة التجريبية، وتجنب تعريض المجموعة الأخرى (المجموعة الضابطة) للعامل التجريبي، بعدها يتم القياس والمقارنة بين المجموعتين بهدف قياس مدى تأثير العامل التجريبي على ظاهرة البحث. مثال، قياس أثر البرنامج التدريبي لمجموعة من رجال البيع على مستوى أدائهم البيعي، حيث يتم تقسيم رجال البيع في الشركة إلى مجموعتين متكافئتين، نقوم بتدريب إحداها (المجموعة التجريبية)، ولا ندرب الأخرى (الضابطة). وبعد ذلك يتم قياس أداء المجموعتين البيعي. وإذا زاد مستوى أداء رجال البيع في المجموعة التجريبية التي تلقت التدريب، دون أفراد المجموعة الأخرى فان هذه الزيادة يمكن أن تعزى إلى التدريب.
ويساعد استخدام المجموعة الضابطة في التجارب في عزل آثار أية متغيرات أخرى خارجية يمكن أن يتزامن حدوثها مع إجراء التجربة. ففي أثناء التدريب للمجموعة التجريبية إذا حدث تغير ما ايجابي أو سلبي خارج سيطرة الباحث أثناء التجريب فان كلا المجموعتين سوف تتأثر به.
ومن أهم ما يعيب هذا الأسلوب في التجريب هو صعوبة إيجاد مجموعتين متشابهتين بشكل كامل، الأمر الذي يصعب معه تعميم النتائج.
ج‌- طريقة التجربة على عدة مجموعات:
وتسمى كذلك بطريقة تدوير المجموعات أو الطرق التبادلية، ويتطلب استخدام هذه الطريقة وجود مجموعتين أو أكثر متشابهة فيما بينها ما أمكن، وكل مجموعة سوف تكون في مرحلة من المراحل وذلك بالتناوب مجموعة تجريبية وفي مرحلة أخرى مجموعة ضابطة. وتدمج نتائج مرحلتي الدراسة مما يجعل النتائج وكأنها مشتقه من كامل العدد وليس من نصفه. فالمرحلة الأولى من التجربة شبيهة بنظام المجموعتين الضابطة والتجريبية، أما المرحلة الثانية فيتم تبادل الأدوار بين المجموعتين، أما المرحلة الأخيرة فهي المرحلة الإحصائية والتي يتم فيها جمع النتائج وحساب أثر العامل التجريبي على المتغير المستقل.
2- خطوات المنهج التجريبي:
يمكن بيان خطوات المنهج التجريبي في إعداد البحوث كما يلي (الرفاعي، 1998):
1- صياغة مشكلة البحث وتحديد أبعادها.
2- صياغة فروض الدراسة وعلاقاتها المختلفة.
3- تحديد وسائل وأدوات القياس المناسبة التي يمكن أن تساعد على قياس نتائج التجربة والتأكد من صحتها.
4- إجراء الاختبارات الأولية بهدف تحديد مواطن الضعف في الفرضيات المصاغة.
5- تحديد مكان وموعد وزمان إجراء التجربة.
6- التأكد من دقة النتائج من خلال تصميم اختبار دلالة لتحديد مدى هذه الثقة.
7- إعداد الصميم التجريبي الذي يبين العلاقات بين المتغيرات المراد استخدامها، واختيار عينة الدراسة الممثلة لمجتمع البحث.
8- تحديد العوامل المستقلة المنوي إخضاعها للتجربة.

3- مزايا وعيوب المنهج التجريبي:
لقد ساعد الأسلوب التجريبي العلوم الطبيعية في التقدم والرفعة في مختلف حقول المعرفة الإنسانية. وأول من استخدم التجريب في علم النفس هو العالم الألماني "فونت" وذلك عام 1879 الذي أسس أول مختبر لعلم النفس ثم انتشر استخدام الأسلوب التجريبي ليشمل كافة حقول المعرفة جميعها (عبيدات وعدس وعبد الحق، 1998).
أ‌- مزايا الأسلوب التجريبي ما يلي:
1- يمكن للباحث المستخدم للأسلوب التجريبي أن يكرر التجربة عبر الزمن، مما يعطي الباحث فرصة التأكد من صدق النتائج وثباتها.
2- يمكن للباحث التجريبي إيجاد الربط السببي بين متغيرين أو أكثر من خلال التحكم في العوامل الأخرى المؤثرة وعزلها والتحكم في حجم التغير الحاصل في المتغير التجريبي بما يتناسب مع برنامج التجربة، وهذا يعطي الباحث التجريبي قدرة أكبر في الربط بين النتائج وأسبابها.
ب‌- عيوب المنهج التجريبي:
1- إيجاد البيئة الاصطناعية عند استخدام المنهج التجريبي في قياس العلاقات بين المتغيرات وربما يدفع الأفراد موضع التجربة إلى تغير سلوكهم لشعورهم بأنهم موضع ملاحظة واختبار مما قد يؤدي إلى تحيز في النتائج.
2- يعتمد المنهج التجريبي على العينة في إجراء التجربة ومن ثم تعميم النتائج على مجتمع الدراسة، ولكن ما يعيب ذلك انه قد لا تمثل العينة مجتمع البحث وبالتالي يصعب معها تعميم النتائج.
3- دقة النتائج في المنهج التجريبي تعتمد على الأدوات المستخدمة في التجربة كالاختبارات والمقاييس، وبالتالي تطور الأدوات المستخدمة يساعد في التوصل إلى نتائج أكثر دقة. وبذلك يحذر الباحث من الوقوع في أخطاء القياس من خلال التأكد من اختيار أدوات القياس المناسبة والتي تتميز بالصدق والموضوعية والثبات.
4- يعتمد المنهج التجريبي على استخدام أسلوب الضبط والعزل لكافة العوامل المؤثرة على الظاهرة، ولكن هذا يبدو صعب التحقق في العلوم الاجتماعية والإنسانية لتأثرها بعوامل عديدة متفاعلة يصعب عدلها وتثبيتها. مثال لو أراد باحث تجريبي أن يدرس حوادث السير فانه يصعب عليه أن يقيس أثر السرعة على انفراد على حوادث السير، فالحوادث تحدث نتيجة تفاعل العديد من العوامل مثل السرعة، وإهمال السائق، أو سوء حالة الطريق، أو سوء الأحوال الجوية، أو خلل ميكانيكي في السيارة.
5- يتطلب إجراء التجربة اتخاذ مجموعة من الاجراءات الإدارية المعقدة، لأن تصميم التجربة وتنفيذها يتطلب إجراء تعديلات إدارية وفنية متعددة قد لا يستطيع الباحث بمفردة أن يقوم بها مما يتطلب الاستعانة بالجهات المسئولة لمساعدته في إجراء التعديلات. فالمعلم الذي يريد أن يستخدم أسلوبا جديدا في التدريس مثل أسلوب الزيارات الميدانية يحتاج إلى موافقة مدير المدرسة وموافقة المؤسسات التي سيتم زيارتها وموافقة أولياء الأمور على الزيارات، ويحتاج إلى وسائل نقل. حيث تعتبر مثل هذه الاجراءات عقبات إدارية وفنية قد لا تشجع الباحث على استخدام الأسلوب التجريبي.
المطلب الرابع: المنهج الاستقرائي والاستنباطي Inductive & Deductive Methodology



تجمع البحوث العلمية بين أسلوبي الاستقراء والاستنباط، أي بين الفكر والملاحظة للوصول إلى الحقيقة.
1- الاستقراء Induction:
يمكن تعريف الاستقراء على أنه "عملية ملاحظة الظواهر وتجميع البيانات عنها للتوصل إلى مبادىء عامة وعلاقات كلية" (الرفاعي، 1998، ص 83). وكلمة استقراء هي ترجمة لكلمة يونانية Enay Wyn ومعناها يقود، والمقصود بها هو قيادة العقل للقيام بعمل يؤدي إلى الوصول لمبدأ أو قانون يتحكم في الجزئيات التي تخضع لادراكنا الحسي (بوحوش والذنيبات، 1998). ولقد استخدم علماء الحضارة الأوربية الحديثة المنهج الاستقرائي في تحقيق تقدمهم الحضاري ،ولقد استخدمه المسلمون قديما، فقد استخدمه ابن الهيثم وغيرة من علماء المسلمين في كتاباتهم.
وفي المنهج الاستقرائي ينتقل الباحث من الجزء إلى الكل، أو من الخاص إلى العام حيث يبدأ الباحث بالتعرف على الجزئيات ثم يقوم بتعميم النتائج على الكل. ويشمل الدليل الاستقرائي الاستنتاج العلمي القائم على أساس الملاحظة والاستنتاج العلمي القائم على التجربة بالمفهوم الحديث للملاحظة والتجربة (الرفاعي، 1998).
ولقد قسم أرسطو الاستقراء إلى نوعين: الاستقراء الكامل والاستقراء الناقص ( بوحوش والذنيبات؛ الرفاعي، 1998).
الاستقراء الكامل: هو استقراء يقيني يقوم على ملاحظة جميع مفردات الظاهرة موضع البحث لإصدار الحكم الكلي على مفردات الظاهرة. وهذا يبدو غير عملي من الناحية الواقعية لما يتطلبه الاستقراء الكامل من القيام بملاحظة كافة عناصر الظاهرة. وهناك من يعتبر الاستقراء الكامل استنباطا لأنه لا يسير من الخاص إلى العام بل تأتي النتيجة مساوية للمقدمة.
الاستقراء الناقص: وهو استقراء غير يقيني حيث يقوم الباحث بدراسة بعض مفردات الظاهرة دراسة شاملة ثم يقوم بتعميم النتائج على الكل، فالباحث ينتقل من المعلوم إلى المجهول. مثال ذلك زيادة الكمية المطلوبة على سلعة معينة، مع ثبات العرض يؤدي إلى ارتفاع سعر السلعة، ومن هذه الملاحظة وصلنا إلى قانون الطلب. مثال آخر كل منشأة صناعية تم ملاحظتها وتطبق الفكر الإداري الاستراتيجي تتمتع بمركز تنافسي قوي، لذلك فان المؤسسات التي تتمتع بمركز تنافسي قوي تطبق الفكر الإداري الاستراتيجي. نلاحظ من المثال السابق أن الاستقراء يبدأ بسؤال أو مشكلة ثم يقوم الباحث بأخذ عينة ممثلة من المنشآت المدروسة ثم يقوم بالدراسة الميدانية عليها، وما تم التوصل إليه من نتائج يتم تعميمها على كل المنشآت.
والاستقراء الناقص هو المنهج الذي يستند إليه العلم، وهو الأسلوب الذي ساعد بشكل كبير بناء الحضارة الكونية الحديثة.
2- الاستنباط Deduction:
وهو الاستدلال الذي ينتقل من الكل إلى الجزء أو من العام إلى الخاص. والاستنباط يبدأ أو يستند إلى مسلمات أو نظريات ثم يستنبط منها ما ينطبق على الجزء المبحوث. من هنا نرى أن ما يصدق على الكل يصدق على الجزء. والاستنباط يمر بثلاث خطوات، وهي المقدمة المنطقية الكبرى، والمقدمة المنطقية الصغرى، والنتيجة. مثال لو كان لدينا مبدأ عام في الإدارة يقول أن كل المنشآت التي تطبق الفكر الإداري الاستراتيجي تتمتع بقدرة تنافسية عالية (مقدمة منطقية كبرى)، وكانت منشأة (العودة) تطبق الفكر الإداري الاستراتيجي (مقدمة منطقية صغرى)، إذن، منشأة (العودة) تتمتع بقدرة تنافسية عالية.
والمقدمة المنطقية الكبرى هي عبارة عن مبدأ عام والذي يعتقد بصحته (من المسلمات). والمقدمة المنطقية الصغرى وهي المبدأ الخاص أو الظاهرة المبحوثة والتي تنطبق مع المسلمات العامة. والتوصل إلى النتيجة يتم عبر سلسلة من المقارنات والقياسات والربط المنطقي بين المقدمتين.
ومن الانتقادات الموجهة إلى المنهج الاستنباطي هو أن النتائج التي يتم التوصل إليها لا تخرج عن حدود المقدمتين، فإذا بدأ الباحث بمقدمة غير صحيحة فمن المؤكد أن ينتهي إلى نتيجة غير صحيحة.
وبسبب الانتقادات الموجهة إلى أسلوبي الاستنباط والاستقراء حول مدى دقتهما استلزم الأمر المزج بين الأسلوبين للوصول إلى العلم والمعرفة الدقيقة، وهذا الأسلوب الجديد سمي بالمنهج العلمي الحديث (الرفاعي، 1998).













خــــــاتــــمــــة:
إن في وقتنا الحاضر أصبح البحث العلمي واحداً من المجالات الهامة التي تجعل الدول تتطور بسرعة هائلة وتتغلب على كل المشكلات التي تواجهها بطرق علمية ومرجع ذلك أن تأثير البحث العلمي في حياة الإنسان ينبع من مصدرين هما:
الأول: يتمثل في الانتفاع بفوائد تطبيقية.. حيث تقوم الجهات المسئولة بتطبيق هذه الفوائد التي نجمت عن الأبحاث التي تم حفظها باستخدام المدونات وتسهيل نشرها بالطبع والتوزيع وطرق المخاطبات السريعة التي قضت على الحدود الجغرافية والحدود السياسية.
الثاني: يتمثَّل في الأسلوب العلمي في البحث الذي يبنى عليه جميع المكتشفات والمخترعات.. هذا الأسلوب الذي يتوخى الحقيقة في ميدان التجربة والمشاهدة ولا يكتفي باستنباطها من التأمل في النفس أو باستنباطها من أقوال الفلاسفة وتتجلى أهمية البحث العلمي أكثر وأكثر في هذا العصر المتسارع.. الذي يُرفع فيه شعار البقاء للأقوى.. والبقاء للأصلح! إذ أصبح محرك النظام العالمي الجديد هو البحث العلمي والتطوير ولم يعد البحث العلمي رفاهية أكاديمية تمارسه مجموعة من الباحثين القابعين في أبراج عاجية! حيث يؤكد الباحثون على أهمية البحث العلمي والدور الفعّال الذي يلعبه في تطوير المجتمعات الإنسانية المعاصرة على اختلاف مواقعها فيسلم التقدم الحضاري، ولا يختلف اثنان في أهميته لفتح مجالات الإبداع والتميز لدى أفراد وشعوب هذه المجتمعات، وتزويدها بإمكانية امتلاك أسباب النماء على أسس قوية والحق أن البحث العلمي يسهم في العملية التجديدية التي تمارسها الأمم والحضارات لتحقيق واقع عملي يحقق سعادتها ورفاهيتها، فهو أي البحث العلمي يعمل علي إحياء المواضيع (والأفكار) القديمة وتحقيقها تحقيقاً علمياً دقيقاً، وبالتالي تطويرها للوصول إلى اكتشافات جديدة.. واجتماعياً، يسمح البحث العلمي بفهم جديد للماضي في سبيل انطلاقة جديدة للحاضر ورؤية استشرافية للمستقبل وهكذا البحث العلمي يناطح الماء والهواء في أهميته للحياة الإنسانية!


[1] (http://www.ta3lime.com/#_ftnref1) - مؤسسة أعمال الموسوعة، الموسوعة العربية العالمية، الجزء الرابع، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، ط2، الرياض، 1999.

[2] (http://www.ta3lime.com/#_ftnref2) - يعتبر هذا التعريف هو التعريف التقليدي الجامد للعلم ، وهو لا يتفق مع حقيقة العلم ولا مع البحث العلمي الذي يتسم بالحركة والتطور ومواكبة الواقع وتطور الحياة، كما لا يوافق عليه الباحثان، بل يعتمدان النظرة الديناميكية المتجددة للعلم.

[3] (http://www.ta3lime.com/#_ftnref3) - أكد هذه النظرة الديناميكية للعلم وللبحث العلمي السيد (conant) وبين أن النظرة للعلم على أنه شيء متجدد ، يشجع على الإبداع الفكري والعلمي ويدفع للاكتشاف الذاتي وحل المشكلات. أنظر عطوي، جودت، البحث العلمي، 2000.

[4] (http://www.ta3lime.com/#_ftnref4) - أنظر اللحلح وأبو بكر 2002، كتاب البحث العلمي، تعريفه – خطواته – مناهجه – والأساليب الإحصائية.

[5] (http://www.ta3lime.com/#_ftnref5) - أشار إلى هذه العناصر كذلك، الرفاعي، 1998 وكذلك عطوي، 2000.

joujouj
12-02-2013, 06:34 PM
الاقتباس غير متاح حاليا

soumà
01-13-2014, 08:11 PM
جزاك الله خيرا

prince_rf
10-30-2014, 11:33 PM
merciiiiiiiii